أبي حيان الأندلسي
17
البحر المحيط في التفسير
لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ : أي يزيد في هداهم بسبب إيمانهم السابق وتثبتهم ، فأما الذين آمنوا فزادتهم أو يهديهم إلى طريق الجنة بنور إيمانهم كما قال : يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ « 1 » قال مجاهد : يكون لهم إيمانهم نورا يمشون به . وفي الحديث : « إذا قام من قبره يمثل له رجل جميل الوجه طيب الرائحة فيقول : من أنت ؟ فيقول : أنا عملك الصالح ، فيقوده إلى الجنة » وبعكس هذا في الكافر . وقال ابن الأنباري : إيمانهم يهديهم إلى خصائص المعرفة ، ومزايا في الألطاف تسر بها قلوبهم وتزول بها الشكوك والشبهات عنهم كقوله : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً « 2 » وهذه الزوائد والفوائد يجوز حصولها في الدنيا قبل الموت ، ويجوز حصولها بعد الموت . قال القفال : وإذا حملنا الآية على هذا كان المعنى يهديهم ربهم بإيمانهم ، وتجري من تحتهم الأنهار ، إلا أنه حذف الواو . وقيل : معناه تقدّمهم إلى الثواب من قول العرب : القدم تهدي الساق . وقال الحسن : يرحمهم . وقال الكلبي : يدعوهم . والظاهر أنّ تجري مستأنفا فيكون قد أخبر عنهم بخبرين عظيمين : أحدهما هداية اللّه لهم وذلك في الدنيا والآخر بجريان الأنهار ، وذلك في الآخرة . كما تضمنت الآية في الكفار شيئين : أحدهما : اتصافهم بانتفاء رجاء لقاء اللّه وما عطف عليه ، والثاني : مقرهم ومأواهم وذلك النار ، فصار تقسيما للفريقين في المعنى . وتقدّم قول القفال : أن يكون تجري معطوفا حذف منه الحرف ، وأن يكون حالا ومعنى من تحتهم أي : من تحت منازلهم . وقيل : من بين أيديهم ، وليس التحت الذي هو بالمسافة ، بل يكون إلى ناحية من الإنسان . ومنه : قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا « 3 » وقال : وهذه الأنهار تجري من تحتي . قال الزمخشري : ( فإن قلت ) : دلت هذه الآية على أنّ الإيمان الذي يستحق به العبد الهداية والتوفيق والنور يوم القيامة هو الإيمان المقيد ، وهو الإيمان المقرون بالعمل الصالح ، والإيمان الذي لم يقترن بالعمل الصالح فصاحبه لا توفيق له ولا نور . ( قلت ) : الأمر كذلك ، ألا ترى كيف أوقع الصلة مجموعا فيها بين الإيمان والعمل كأنه قال : إنّ الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح ثم قال : بإيمانهم ، أي بإيمانهم المضموم إليه هذا العمل الصالح ، وهو بين واضح لا شبهة فيه انتهى . وهو على طريقة الاعتزال . وجوزوا
--> ( 1 ) سورة الحديد : 57 / 12 . ( 2 ) سورة محمد : 47 / 17 . ( 3 ) سورة مريم : 19 / 24 .