أبي حيان الأندلسي
13
البحر المحيط في التفسير
إعادة الخلق بعد بدئه . وعد اللّه على لفظ الفعل ، ويجوز أن يكون مرفوعا بما نصب حقا أي : حق حقا بدء الخلق كقوله : أحقا عباد اللّه أن لست جائيا * ولا ذاهبا إلا عليّ رقيب انتهى . وقال ابن عطية : وموضعها النصب على تقدير أحق أنه . وقال الفراء : موضعها رفع على تقدير لحق أنه . قال ابن عطية : ويجوز عندي أن يكون أنه بدلا من قوله : وعد اللّه . قال أبو الفتح : إن شئت قدرت لأنه يبدأ ، فمن في قدرته هذا فهو غني عن إخلاف الوعد ، وإن شئت قدرت وعد اللّه حقا أنه يبدأ ولا يعمل فيه المصدر الذي هو وعد اللّه ، لأنه قد وصف ذلك بتمامه وقطع عمله . وقرأ ابن أبي عبلة : حق بالرفع ، فهذا ابتداء وخبره أنه انتهى . وكون حق خبر مبتدأ ، وأنه هو المبتدأ هو الوجه في الإعراب كما تقول : صحيح إنك تخرج ، لأنّ اسم أنّ معرفة ، والذي تقدمها في نحو هذا المثال نكرة . والظاهر أنّ بدء الخلق هو النشأة الأولى ، وإعادته هو البعث من القبور ، وليجزي متعلق بيعيده أي : ليقع الجزاء على الأعمال . وقيل : البدء من التراب ، ثم يعيده إلى التراب ، ثم يعيده إلى البعث . وقيل : البدء نشأته من الماء ، ثم يعيده من حال إلى حال . وقيل : يبدؤه من العدم ، ثم يعيده إليه ، ثم يوجده . وقيل : يبدؤه في زمرة الأشقياء ، ثم يعيده عند الموت إلى زمرة الأولياء ، وبعكس ذلك . وقرأ طلحة : يبدئ من أبدأ رباعيا ، وبدأ وأبدأ بمعنى ، وبالقسط معناه بالعدل ، وهو متعلق بقوله : ليجزي أي : ليثيب المؤمنين بالعدل والإنصاف في جزائهم ، فيوصل كلّا إلى جزائه وثوابه على حسب تفاضلهم في الأعمال ، فينصف بينهم ويعدل ، إذ ليسوا كلهم متساوين في مقادير الثواب ، وعلى هذا يكون بالقسط منه تعالى . قال الزمخشري : أو يقسطهم بما أقسطوا أو عدلوا ولم يظلموا حين آمنوا وعملوا الصالحات ، لأنّ الشرك ظلم ؛ قال اللّه تعالى : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ « 1 » والعصاة ظلام لأنفسهم ، وهذا أوجه لمقابلة قوله : بما كانوا يكفرون انتهى . فجعل القسط من فعل الذين آمنوا وهو على طريقة الاعتزال ، والظاهر أنّ والذين كفروا مبتدأ ، ويحتمل أن يكون معطوفا على قوله : الذين آمنوا ، فيكون الجزاء بالعدل قد شمل الفريقين . ولما كان الحديث مع الكفار مفتتح السورة معهم ، ذكر شيئا من أنواع عذابهم فقال : لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ * « 2 » وتقدم شرح هذا في سورة الأنعام .
--> ( 1 ) سورة لقمان : 31 / 13 . ( 2 ) سورة الأنعام : 6 / 70 .