أبي حيان الأندلسي
11
البحر المحيط في التفسير
وقولهم في الإنذار والبشارة سحر إنما هو بسبب أنه فرق كلمتهم ، وحال بين القريب وقريبه ، فأشبه ذلك ما يفعله الساحر ، وظنوه من ذلك الباب . وقال الزمخشري : وهذا دليل عجزهم واعترافهم به وإن كانوا كاذبين في تسميته سحرا . ولما كان قولهم فيما لا يمكن أن يكون سحرا ظاهر الفساد ، لم يحتج قولهم إلى جواب ، لأنهم يعلمون نشأته معهم بمكة وخلطتهم له وما كانت قلة علم ، ثم أتى به من الوحي المتضمن ما لم يتضمنه كتاب إلهي من قصص الأولين والأخبار بالغيوب والاشتمال على مصالح الدنيا والآخرة ، مع الفصاحة والبراعة التي أعجزتهم إلى غير ذلك من المعاني التي تضمنها يقضي بفساد مقالتهم ، وقولهم ذلك هو ديدن الكفرة مع أنبيائهم إذ أتوهم بالمعجزات كما قال : فرعون وقومه في موسى عليه السلام : إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ * « 1 » قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا « 2 » وقوم عيسى عليه السلام : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ * « 3 » ودعوى السحر إنما هي على سبيل العناد والجحد . إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ تقدم تفسير مثل هذه الجملة في سورة الأعراف « 4 » وجاءتا عقب ذكر القرآن والتنبيه على المعاد . ففي الأعراف : وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ « 5 » وقوله : يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ « 6 » وهنا تلك آيات الكتاب . وذكر الإنذار والتبشير وثمرتهما لا تظهر إلا في المعاد . ومناسبة هذه لما قبلها أنّ من كان قادرا على إيجاد هذا الخلق العلوي والسفلي العظيمين وهو ربكم الناظر في مصالحكم ، فلا يتعجب أن يبعث إلى خلقه من يحذر من مخالفته ويبشر على طاعته ، إذ ليس خلقهم عبثا بل على ما اقتضته حكمته وسبقت به إرادته ، إذ القادر العظيم قادر على ما دونه بطريق الأولى . يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ : قال مجاهد : أي يقضيه وحده . والتدبير تنزيل الأمور في مراتبها والنظر في أدبارها وعواقبها ، والأمر قيل : الخلق كله علوية وسفليه . وقيل : يبعث بالأمر ملائكة ، فجبريل للوحي ، وميكائيل للقطر ، وعزرائيل للقبض ، وإسرافيل للصور . وهذه الجملة بيان لعظيم شأنه وملكه . ولما ذكر الإيجاد ذكر ما يكون فيه من الأمور ، وأنه المنفرد به إيجادا وتدبيرا لا يشركه أحد في ذلك ، وأنه لا يجترئ أحد على
--> ( 1 ) سورة الأعراف : 7 / 109 . ( 2 ) سورة القصص : 28 / 48 . ( 3 ) سورة المائدة : 5 / 110 . ( 4 ) سورة الأعراف : 7 / 116 . ( 5 ) سورة الأعراف : 7 / 52 . ( 6 ) سورة الأعراف : 7 / 53 .