أبي حيان الأندلسي

34

البحر المحيط في التفسير

التوبة ، والشرطان يثبتان بدليل منفصل ، ولئن سلمنا ما يقولونه فلا نسلم أن الوعيد يدخل تحت الوعد . وقال الواحدي : يجوز حمله على ميعاد الأولياء دون وعيد الأعداء ، لأن خلف الوعيد كرم عند العرب ، ولذلك يمدحون به . قال الشاعر : إذا وعد السرّاء أنجز وعده * وإن وعد الضراء فالعفو مانعه ويحتمل أن تكون هذه الجملة من كلام الداعين ، ويكون ذلك من باب الالتفات ، إذ هو خروج من خطاب إلى غيبة لما في ذكره باسمه الأعظم من التفخيم والتعظيم والهيبة ، وكأنهم لما والوا الدعاء بقولهم : ربنا ، أخبروا عن اللّه تعالى بأنه الوفي بالوعد . وتضمن هذا الكلام الإيمان بالبعث ، والمجازاة ، والإيفاء بما وعد تعالى . إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً قيل : المراد وفد نجران لأنه روي أن أبا حارثة بن علقمة قال لأخيه : إني أعلم أنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولكني إن أظهرت ذلك أخذ ملوك الرّوم مني ما أعطوني من المال . وقيل : الإشارة إلى معاصري رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . قال ابن عباس : قريظة ، والنضير . وكانوا يفخرون بأموالهم وأبنائهم ، وهي عامّة تتناول كل كافر . ومعنى : من اللّه ، أي : من عذابه الدنيوي والأخروي ، ومعنى : أغنى عنه ، دفع عنه ومنعه ، ولما كان المال في باب المدافعة والتقرب والفتنة أبلغ من الأولاد ، قدم في هذه الآية ، وفي قوله : وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى « 1 » وفي قوله : أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ * « 2 » وفي قوله : وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ « 3 » وفي قوله : لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ « 4 » بخلاف قوله تعالى : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ « 5 » إلى آخرها ، فإنه ذكر هنا حب الشهوات ، فقدّم فيه النساء والبنين على ذكر الأموال . وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء اللّه . وقرأ أبو عبد الرحمن : لن يغني ، بالياء على تذكير العلامة . وقرأ علي : لن يغني ،

--> ( 1 ) سورة سبأ : 34 / 37 . ( 2 ) سورة الأنفال : 8 / 28 . ( 3 ) سورة الحديد : 57 / 20 . ( 4 ) سورة الشعراء : 26 / 88 . ( 5 ) سورة آل عمران : 3 / 14 .