أبي حيان الأندلسي
29
البحر المحيط في التفسير
أبي ، وابن عباس ، فيما رواه طاوس عنه : إلا اللّه ويقول الراسخون في العلم آمنا به . وقراءة عبد اللّه : وابتغاء تأويله إن تأويله إلّا عند اللّه ، والراسخون في العلم يقولون . ورجح ابن فورك القول الثاني وأطنب في ذلك ، وفي قوله صلى اللّه عليه وسلم لابن عباس : « اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل » ما يبين ذلك ، أي : علمه معاني كتابك . وكان عمر إذا وقع مشكل في كتاب اللّه يستدعيه ويقول له : غص غوّاص . ويجمع أبناء المهاجرين والأنصار ، ويأمرهم بالنظر في معاني الكتاب . وقال ابن عطية : إذا تأملت قرب الخلاف من الاتفاق ، وذلك أن الكتاب محكم ومتشابه ، فالمحكم المتضح لمن يفهم كلام العرب من غير نظر ، ولا لبس فيه ، ويستوي فيه الراسخ وغيره . والمتشابه منه ما لا يعلمه إلّا اللّه ، كأمر الروح ، وآماد المغيبات المخبر بوقوعها ، وغير ذلك . ومنه ما يحمل على وجوه في اللغة ، فيتأول على الاستقامة كقوله في عيسى وَرُوحٌ مِنْهُ « 1 » إلى غير ذلك . ولا يسمى راسخا إلّا من يعلم من هذا النوع كثيرا بحسب ما قدّر له ، وإلّا فمن لا يعلم سوى المحكم فليس براسخ . فقوله إِلَّا اللَّهُ مقتض ببديهة العقل أنه تعالى يعلمه على استيفاء نوعيه جميعا ، والراسخون يعلمون النوع الثاني ، والكلام مستقيم على فصاحة العرب . ودخلوا بالعطف في علم التأويل كما تقول : ما قام لنصري إلّا فلان وفلان ، وأحدهما نصرك بأن ضارب معك ، والآخر أعانك بكلام فقط . وإن جعلنا وَالرَّاسِخُونَ مبتدأ مقطوعا مما قبله ، فتسميتهم راسخين يقتضي أنهم يعلمون أكثر من المحكم الذي استوى في علمه جميع من يفهم كلام العرب ، وفي أي شيء رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلم الجميع ؟ وما الرسوخ إلّا المعرفة بتصاريف الكلام ، وموارد الأحكام ، ومواقع المواعظ ؟ . وإعراب : الراسخين ، يحتمل الوجهين ، ولذلك قال ابن عباس بهما . ومن فسر المتشابه بأنه ما استأثر اللّه بعلمه فقط ، فتفسيره غير صحيح ، لأنه تخصيص لبعض المتشابه . انتهى . وفيه بعض تلخيص ، وفيه اختياره أنه معطوف على : اللّه ، وإياه اختار الزمخشري . قال : لا يهتدي إلى تأويله الحق الذي يجب أن يحمل عليه إلّا اللّه
--> ( 1 ) سورة النساء : 4 / 171 . والمجادلة : 58 / 22 .