أبي حيان الأندلسي

26

البحر المحيط في التفسير

محذوفة ، والوصف بالتشابه لا يصح في مفرد آخر ، لو قلت : وأخرى متشابهة لم يصح إلّا بمعنى أن بعضها يشبه بعضا ، وليس المراد هنا هذا المعنى ، وذلك أن التشابه المقصود هنا لا يكون إلّا بين اثنين فصاعدا ، فلذلك صح هذا الوصف مع الجمع ، لأن كل واحد من مفرداته يشابه الباقي ، وإن كان الواحد لا يصح فيه ذلك ، فهو نظير ، رجلين يقتتلان ، وإن كان لا يقال : رجل يقتتل . وتقدم الكلام على أخر في قوله : فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ « 1 » فأغنى عن إعادته هنا . وذكر ابن عطية أن المهدوي خلط في مسألة : أخر ، وأفسد كلام سيبويه ، فتوقف على ذلك من كلام المهدوي . فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ هم نصارى نجران لتعرضهم للقرآن في أمر عيسى ، قاله الربيع . أو : اليهود ، قاله ابن عباس ، والكلبي ، لأنهم طلبوا بقاء هذه الآية من الحروف المقطعة ، والزيغ : عنادهم . وقال الطبري : هو الأشبه . وذكر محاورة حيي بن أخطب وأصحابه لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في مدة ملته ، واستخراج ذلك من الفواتح ، وانتقالهم من عدد إلى عدد إلى أن قالوا : خلطت علينا فلا ندري بكثير نأخذ أم بقليل ؟ ونحن لا نؤمن بهذا . فأنزل اللّه تعالى : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ الآية ، وفسر الزيغ : بالميل عن الهدى ، ابن مسعود ، وجماعة من الصحابة ، ومجاهد ، ومحمد بن جعفر بن الزبير ، وغيرهم . وقال قتادة : هم منكر والبعث ، فإنه قال في آخرها وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وما ذاك إلّا يوم القيامة ، فإنه أخفاه عن جميع الخلق . وقال قتادة أيضا : هم الحرورية ، وهم الخوارج . ومن تأول آية لا في محلها . وقال أيضا : إن لم تكن الحرورية هم الخوارج السبائية ، فلا أدري من هم . وقال ابن جريح : هم المنافقون . وقيل : هم جميع المبتدعة . وظاهر اللفظ العموم في الزائغين عن الحق ، وكل طائفة ممن ذكر زائغة عن الحق ، فاللفظ يشملهم وإن كان نزل على سبب خاص ، فالعبرة لعموم اللفظ . فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ قال القرطبي : متبعو المتشابه إما طالبو تشكيك وتناقض

--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 184 و 185 .