أبي حيان الأندلسي
21
البحر المحيط في التفسير
أي : يصوركم في الأرحام قادرا على تصويركم مالكا ذلك . وقيل : التقدير في هذه الحال : يصوركم على مشيئته ، أي مريدا ، فيكون حالا من ضمير اسم اللّه ، ذكره أبو البقاء ، وجوّز أن يكون حالا من المفعول ، أي : يصوركم منقلبين على مشيئته . وقال الحوفي : يجوز أن تكون الجملة في موضع المصدر ، المعنى : يصوركم في الأرحام تصوير المشيئة ، وكما يشاء . لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ كرر هذه الجملة الدالة على نفي الإلهية عن غيره تعالى ، وانحصارها فيه ، توكيدا لما قبلها من قوله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وردا على من ادعى إلهية عيسى ، وناسب مجيئها بعد الوصفين السابقين من العلم والقدرة ، إذ من هذان الوصفان له ، هو المتصف بالإلهية لا غيره ، ثم أتى بوصف العزة الدالة على عدم النظير ، والحكمة الموجبة لتصوير الأشياء على الإتقان التام . هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ مناسبة هذا لما قبله أنه : لما ذكر تعديل البنية وتصويرها على ما يشاء من الأشكال الحسنة ، وهذا أمر جسماني ، استطرد إلى العلم ، وهو أمر روحاني . وكان قد جرى لوفد نجران أن من شبههم قوله وَرُوحٌ مِنْهُ « 1 » فبيّن أن القرآن منه محكم العبارة قد صينت من الاحتمال ، ومنه متشابه ، وهو ما احتمل وجوها . ونذكر أقاويل المفسرين في المحكم والمتشابه . وقد جاء وصف القرآن بأن آياته محكمة ، بمعنى كونه كاملا ، ولفظه أفصح ، ومعناه أصح ، لا يساويه في هذين الوصفين كلام ، وجاء وصفه بالتشابه بقوله : كِتاباً مُتَشابِهاً « 2 » معناه يشبه بعضه بعضا في الجنس والتصديق . وأما هنا فالتشابه ما احتمل وعجز الذهن عن التمييز بينهما ، نحو : إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا « 3 » وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً « 4 » أي : مختلف الطعوم متفق المنظر ، ومنه : اشتبه الأمران ، إذا لم يفرق بينهما . ويقال لأصحاب المخاريق : أصحاب الشبه ، وتقول : الكلمة الموضوعة لمعنى لا يحتمل غيره نص ، أو يحتمل راجحا أحد الاحتمالين على الآخر ، فبالنسبة إلى الراجح ظاهر ، وإلى المرجوح
--> ( 1 ) سورة النساء : 4 / 171 والمجادلة : 58 / 22 . ( 2 ) سورة الزمر : 39 / 23 . ( 3 ) سورة البقرة : 2 / 70 . ( 4 ) سورة البقرة : 2 / 25 .