أبي حيان الأندلسي
17
البحر المحيط في التفسير
اهتدى بهما ، ولا يلزم من ذلك وقوع الهداية بالفعل لجميع الناس . وقيل : الناس قوم موسى وعيسى وقيل : نحن متعبدون بشرائع من قبلنا ، فالناس عام . قال الكعبي : هذا يبطل قول من زعم أن القرآن عمى على الكافر ، وليس هدى له ، ويدل على أن معنى وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى « 1 » أنهم عند نزوله اختاروا العمى على وجه المجاز ، لقول نوح ، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً « 2 » انتهى . قيل : وخص الهدى بالتوراة والإنجيل هنا ، وإن كان القرآن هدى ، لأن المناظرة كانت مع النصارى وهم لا يهتدون بالقرآن ، بل وصف بأنه حق في نفسه ، قبلوه أو لم يقبلوه ، وأما التوراة والإنجيل فهم يعتقدون صحتهما ، فلذلك اختصا في الذكر بالهدى . قال ابن عطية : قال هنا للناس ، وقال في القرآن هدى للمتقين ، لأن هذا خبر مجرّد ، و : هدى للمتقين ، خبر مقترن به الاستدعاء ، والصرف إلى الإيمان ، فحسنت الصفة ليقع من السامع النشاط والبدار ، وذكر الهدى الذي هو إيجاد الهداية في القلب ، وهنا إنما ذكر الهدى الذي هو الدعاء ، أو الهدى الذي هو في نفسه معدّ أن يهتدي به الناس ، فسمي هدى بذلك . قال ابن فورك : التقدير هنا : هدى للناس المتقين ، ويرد هذا العام إلى ذلك الخاص ، وفي هذا نظر . انتهى كلام ابن عطية . وملخصه : أنه غاير بين مدلولي الهدى ، فحيث كان بالفعل ذكر المتقون ، وحيث كان بمعنى الدعاء ، أو بمعنى أنه هدى في ذاته ، ذكر العام . وأما الموضعان فكلاهما خبر لا فرق في الخبرية بين قوله ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ « 3 » وبين قوله : وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ . وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ الفرقان : جنس الكتب السماوية ، لأنها كلها فرقان يفرق بها بين الحق والباطل ، من كتبه أو من هذه الكتب ، أو أراد الكتاب الرابع ، وهو الزبور . كما قال تعالى : وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً * « 4 » أو الفرقان : القرآن ، وكرر ذكره بما هو نعت له ومدح من كونه فارقا بين الحق والباطل ، بعد ما ذكره باسم الجنس تعظيما لشأنه ، وإظهارا لفضله . واختار هذا القول الأخير ابن عطية . قال محمد بن جعفر : فرق بين الحق والباطل في أمر عيسى عليه
--> ( 1 ) سورة فصلت : 41 / 44 . ( 2 ) سورة نوح : 71 / 6 . ( 3 ) سورة البقرة : 2 / 2 . ( 4 ) سورة النساء : 4 / 163 والإسراء : 17 / 55 .