أبي حيان الأندلسي

96

البحر المحيط في التفسير

لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ « 1 » ؟ وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ « 2 » ، وفي الحديث : « أنهم يسألون فيقولون كنا نعبد عزيزا » . أخبر تعالى أن الإله هو واحد لا يتعدد ولا يتجزأ ، ولا له مثيل في صفاته . ثم حصر الإلهية فيه ، فتضمن ذلك أنه هو المثيب المعاقب ، فوصف نفسه بهاتين الصفتين من الرحمانية والرحيمية . ثم أخذ في ذكر ما يدل على الوحدانية والانفراد بالإلهية . فبدأ بذكر اختراع الأفلاك العلوية ، والجرم الكثيف الأرضي ، وما يكون فيهما من اختلاف ما به السكون والحركة ، من الليل والنهار الناشئين عما أودع اللّه تعالى في العالم العلوي ، واختلاف الفلك ذاهبة وآئبة بما ينفع الناس الناشئ ذلك عما أودع في العالم السفلي ، وما يكون مشتركا بين العالمين ، من إنزال الماء ، وتشقق الأرض بالنبات ، وانتشار العالم فيها . ولما ذكر أشياء في الأجرام العلوية ، وأشياء في الجرم الأرضي ، ذكر شيئا مما هو بين الجرمين ، وهو تصريف الرّياح والسحاب ، إذ كان بذلك تتم النعمة المقتضية لصلاح العالم في منافعهم البحرية والبرية . ثم ذكر أن هذا كله هي آيات للعاقل ، تدله على وحدانية اللّه تعالى واختصاصه بالإلهية ، إذ من عبدوه من دون اللّه يعلمون قطعا أنه لا يمكنه اقتدار على شيء مما تضمنته هذه الآيات ، وأنهم بعض ما حوته الدائرة العلوية والدائرة السفلية ، وأن نسبتهم إلى من لم يعبدوه من سائر المخلوقات نسبة واحدة في الافتقار والتغير ، فلا مزية لهم على غيرهم إلا عند من سلب نور العقل ، وغشيته ظلمات الجهل . ثم ذكر تعالى ، بعد ذكر هذه البينات الواضحات الدالة على الوحدانية واستحقاق العبادة ، أن من الناس متخذي أنداد ، وأنهم يؤثرونهم ويحبونهم مثل محبة اللّه ، فهم يسوّون بين الخالق والمخلوق في المحبة ، أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ « 3 » . ثم ذكر أن من المؤمنين أشدّ حبّا للّه من هؤلاء لأصنامهم . ثم خاطب من خاطب بقوله : وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ، حين عاينوا نتيجة اتخاذهم الأنداد ، وهو العذاب ، الحال بهم ، أي لرأيت أمرا عظيما . ثم نبه على أن أندادهم لا طاقة لها ولا قوة بدفع العذاب عمن اتخذوهم ، لأن جميع القوى والقدر هي للّه تعالى . ثم ذكر تعالى تبرؤ المتبوعين من التابعين وقت رؤية العذاب وزالت المودات التي كانت بينهم ، وأن التابعين تمنوا الرجوع إلى الدنيا حتى يؤمنوا ويتبرءوا من متبوعيهم حيث لا ينفع التمني ولا يمكن أن يقع ، فهو تمني مستحيل ، لأن اللّه

--> ( 1 ) سورة المائدة : 5 / 116 . ( 2 ) سورة التوبة : 9 / 30 . ( 3 ) سورة النحل : 16 / 17 .