أبي حيان الأندلسي
91
البحر المحيط في التفسير
الأحوال . وهذا التركيب أبلغ هنا من أن لو قلت : إن اللّه قوي ، إذ تدل هنا على الإخبار عنه بهذا الوصف . وأن القوة للّه تدل على أن جميع أنواع القوى ثابتة مستقرة له تعالى ، وتأخر وصفه تعالى بأنه شديد العذاب عن ذلك ، لأن شدة العذاب هي من آثار القوة . إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ : لما ذكر متخذي الأنداد ذكر أن عبادتهم لهم وإفناء أعمارهم في طاعتهم ، معتقدين أنهم سبب نجاتهم ، لم تغن شيئا ، وأنهم حين صاروا أحوج إليهم ، تبرءوا منهم . وإذ : بدل من : إذ يرون العذاب . وقيل : معمولة لقوله شديد العذاب . وقيل : لمحذوف تقديره اذكروا الذين اتبعوا ، هم رؤساؤهم وقادتهم الذين اتبعوهم في أقوالهم وأفعالهم ، قاله ابن عباس وعطاء وأبو العالية وقتادة والربيع ومقاتل والزجاج ، أو الشياطين الذين كانوا يوسوسون ويرونهم الحسن قبيحا والقبيح حسنا ، قاله الحسن وقتادة أيضا والسدي ؛ أو عام في كل متبوع ، وهو الذي يدل عليه ظاهر اللفظ . وقراءة الجمهور : اتبعوا الأول مبنيا للمفعول ، والثاني مبنيا للفاعل . وقراءة مجاهد بالعكس . فعلى قراءة الجمهور : تبرؤ المتبوعون بالندم على الكفر ، أو بالعجز عن الدفع ، أو بالقول : إنا لم نضل هؤلاء ، بل كفروا بإرادتهم وتعلق العقاب عليهم بكفرهم ، ولم يتأت ما حاولوه من تعليق ذنوبهم على من أضلهم . أقوال ثلاثة ، الأخير أظهرها ، وهو أن يكون التبرؤ بالقول . قال تعالى : تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ « 1 » . وتبرؤ التابعين هو انفصالهم عن متبوعيهم والندم على عبادتهم ، إذ لم يجد عنهم يوم القيامة شيئا ، ولم يدفع عنهم من عذاب اللّه ، ورأوا العذاب الظاهر . إن هذه الجملة ، هي وما بعدها ، قد عطفتا على تبرأ ، فهما داخلان في حيز الظرف . وقيل : الواو للحال فيهما ، والعامل تبرأ ، أي تبرءوا في حال رؤيتهم العذاب وتقطع الأسباب بهم ، لأنها حالة يزداد فيها الخوف والتنصل ممن كان سببا في العذاب . وقيل : الواو للحال في : ورأوا العذاب ، وللعطف في : وتقطعت على تبرأ ، وهو اختيار الزمخشري . وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ : كناية عن أن لا منجى لهم من العذاب ، ولا مخلص ، ولا تعلق بشيء يخلص من عذاب اللّه ، وهو عام في كل ما يمكن أن يتعلق به . وللمفسرين في الأسباب أقوال : الوصلات عن قتادة ، والأرحام عن ابن عباس وابن جريج ، أو الأعمال الملتزمة عن ابن زيد والسدي ، أو العهود عن مجاهد وأبي روق ، أو وصلات الكفر ، أو
--> ( 1 ) سورة القصص : 28 / 63 .