أبي حيان الأندلسي

83

البحر المحيط في التفسير

لو كان يليها ، ما جاز دخولها ، وهي لام التوكيد ، فصار في الجملة حرفا تأكيد : إن واللام . ولقوم : في موضع الصفة ، أي كائنة لقوم . والجملة صفة لقوم ، لأنه لا يتفكر في هذه الآيات العظيمة إلا من كان عاقلا ، فإنه يشاهد من هذه الآية ما يستدل به على وحدانية اللّه تعالى ، وانفراده بالإلهية ، وعظيم قدرته ، وباهر حكمته . وقد أثر في الأثر : ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها ، أي لم يتفكر فيها ولم يعتبر بها . ومناسبة هذه الآية لما قبلها ، هو أنه لما ذكر تعالى أنه واحد ، وأنه منفرد بالإلهية ، لم يكتف بالإخبار حتى أورد دلائل الاعتبار . ثم مع كونها دلائل ، بل هي نعم من اللّه على عباده ، فكانت أوضح لمن يتأمل وأبهر لمن يعقل ، إذ التنبيه على ما فيه النفع باعث على الفكر . لكن لا تنفع هذه الدلائل إلا عند من كان متمكنا من النظر والاستدلال بالعقل الموهوب من عند الملك الوهاب ، وهذه الأشياء التي ذكرها اللّه ثمانية ، وإن جعلنا : وبث فيها ، على حذف موصول ، كما قدرناه في أحد التخريجين ، كانت تسعة ، وهي باعتبار تصير إلى أربعة : خلق ، واختلاف ، وإنزال ماء ، وتصريف . فبدأ أولا بالخلق ، لأنه الآية العظمى والدلالة الكبرى على الإلهية ، إذ ذلك إبراز واختراع لموجود من العدم الصرف . أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ « 1 » ؟ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ « 2 » . ودل الخلق على جميع الصفات الذاتية ، من واجبية الوجود والوحدة والحياة والعلم والقدرة والإرادة ، وقدّم السماوات على الأرض لعظم خلقها ، أو لسبقه على خلق الأرض عند من يرى ذلك . ثم أعقب ذكر خلق السماوات والأرض باختلاف الليل والنهار ، وهو أمر ناشئ عن بعض الجواهر العلوية النيرة التي تضمنتها السماوات . ثم أعقب ذلك بذكر الفلك ، وهو معطوف على الليل والنهار ، كأنه قال : واختلاف الفلك ، أي ذهابها مرة كذا ومرة كذا على حسب ما تحركها المقادير الإلهية ، وهو أمر ناشئ عن بعض الأجرام السفلية الجامدة التي تضمنتها الأرض . ثم أعقب ذلك بأمور اشترك فيها العالم العلوي والعالم السفلي ، وهو إنزال الماء من السماء ، ونشر ما كان دفينا في الأرض بالأحياء . وجاء هذا المشترك مقدما فيه السبب على المسبب ، فلذلك أعقب بالفاء التي تدل على السبب عند بعضهم .

--> ( 1 ) سورة النحل : 16 / 17 . ( 2 ) سورة النحل : 16 / 20 .