أبي حيان الأندلسي
759
البحر المحيط في التفسير
بعض تلخيص . ولا يعني من فسرها : بجميع ، أو قال : هي في معنى الجميع ، إلا أنه يريد بها العموم نحو : ما قام أحد ، أي : ما قام فرد فرد من الرجال ، مثلا ، ولا فرد فرد من النساء ، لا أنه نفى القيام عن الجميع ، فيثبت لبعض ، ويحتمل عندي أن يكون مما حذف فيه المعطوف لدلالة المعنى عليه ، والتقدير : لا يفرق بين أحد من رسله وبين أحد ، فيكون أحد هنا بمعنى واحد ، لا أنه اللفظ الموضوع للعموم في النفي . ومن حذف المعطوف : سرابيل تقيكم الحر أي والبرد . وقول الشاعر : فما كان بين الخير لو جاء سالما * أبو حجر إلا ليال قلائل أي : بين الخير وبيني ، فحذف ، وبيني ، لدلالة المعنى عليه . وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا أي : سمعنا قولك وأطعنا أمرك ، ولا يراد مجرد السماع ، بل القبول والإجابة . وقدم : سمعنا ، على : وأطعنا ، لأن التكليف طريقه السمع ، والطاعة بعده ، وينبغي للمؤمن أن يكون قائلا هذا دهره . غُفْرانَكَ رَبَّنا أي : من التقصير في حقك ، أو لأن عبادتنا ، وإن كانت في نهاية الكمال ، فهي بالنسبة إلى جلالك تقصير . وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ إقرار بالمعاد . أي : وإلى جزائك المرجع ، وانتصاب : غفرانك ، على المصدر ، وهو من المصادر التي يعمل فيها الفعل مضمرا ، التقدير عند سيبويه : اغفر لنا غفرانك ، قال السجاوندي : ونسبه ابن عطية للزجاج ، وقال الزمخشري : غفرانك منصوب بإضمار فعله ، يقال : غفرانك لا كفرانك ، أي : نستغفرك ولا نكفرك . فعلى التقدير الأول : الجملة طلبية ، وعلى الثاني : خبرية . واضطرب قول ابن عصفور فيه ، فمرة قال : هو منصوب بفعل يجوز إظهاره ، ومرة قال : هو منصوب يلتزم إضماره . وعدّه مع : سبحان اللّه ، وأخواتها . وأجاز بعضهم انتصابه على المفعول به ، أي : نطلب ، أو : نسأل غفرانك . وجوّز بعضهم الرفع فيه على أن يكون مبتدأ ، أي : غفرانك بغيتنا . والمصير : اسم مصدر من صار يصير ، وهو مبني على : مفعل ، بكسر العين ، وقد اختلف النحويون في بناء المفعل مما عينه ياء نحو : يبيت ، ويعيش ، ويحيض ، ويقيل ، ويصير ، فذهب بعضهم إلى أنه كالصحيح ، نحو : يضرب ، يكون للمصدر بالفتح ، يكون