أبي حيان الأندلسي
757
البحر المحيط في التفسير
الترتيب في قوله : مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ « 1 » وقيل : الكلام في عرفان الحق لذاته ، وعرفان الخير للعمل به واستكمال القوة النظرية بالعلم ، والقوة العملية يفعل الخيرات ، والأولى أشرف ، فبدئ بها ، وهو : الإيمان المذكور ، والثانية هي المشار إليها بقوله سَمِعْنا وَأَطَعْنا وقيل : للإنسان مبدأ وحال ومعاد ، فالإيمان إشارة إلى المبدأ ، و : سمعنا وأطعنا إشارة إلى الحال ، و : غفرانك ، وما بعده إشارة إلى المعاد . وقرأ حمزة ، والكسائي : وكتابه ، على التوحيد ، وباقي السبعة : وكتبه ، على الجمع . فمن وحد أراد كل مكتوب ، سمي المفعول بالمصدر ، كقولهم : نسج اليمن أي : منسوجه . قال أبو علي : معناه أن هذا الإفراد ليس كإفراد المصادر ، وإن أريد بها الكثير ، كقوله وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً « 2 » ولكنه ، كما تفرد الأسماء التي يراد بها الكثرة ، نحو : كثر الدينار والدرهم ، ومجيئها بالألف واللام أكثر من مجيئها مضافة ، ومن الإضافة وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها « 3 » وفي الحديث : « منعت العراق درهمها وقفيزها » . يراد به : الكثير ، كما يراد بما فيه لام التعريف . انتهى ملخصا . ومعناه إن المفرد المحلى بالألف واللام يعم أكثر من المفرد المضاف . وقال الزمخشري : وقرأ ابن عباس : وكتابه ، يريد القرآن . أو الجنس ، وعنه : الكتاب أكثر من الكتب . فإن قلت : كيف يكون الواحد أكثر من الجمع ؟ . قلت : لأنه إذا أريد بالواحد الجنس ، والجنسية ، قائمة في وحدان الجنس كلها ، لم يخرج منه شيء ، وأما الجمع فلا يدخل تحته إلّا ما فيه الجنسية من الجموع . انتهى كلامه . وليس كما ذكر ، لأن الجمع إذا أضيف أو دخلته الألف واللام الجنسية صار عاما ، ودلالة العام دلالة على كل فرد فرد ، فلو قال : أعتقت عبيدي ، يشمل ذلك كل عبد عبد ، ودلالة الجمع أظهر في العموم من الواحد ، سواء كانت فيه الألف واللام أم الإضافة ، بل لا يذهب إلى العموم في الواحد إلّا بقرينة لفظية ، كأن يستثني منه ، أو يوصف بالجمع ، نحو : إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا « 4 » و : أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض ، أو قرينة معنوية نحو : نية المؤمن أبلغ من عمله ، وأقصى حاله أن يكون مثل الجمع العام إذا
--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 285 ، والنساء : 4 / 46 . ( 2 ) سورة الفرقان : 25 / 14 . ( 3 ) سورة إبراهيم : 14 / 34 . ( 4 ) سورة العصر : 103 / 2 و 3 .