أبي حيان الأندلسي

743

البحر المحيط في التفسير

الكاتب ، وإعواز الإشهاد ، فأقام التوثق بالرهن مقام الكتابة والشهادة ، ونبه بالسفر على كل عذر ، وقد يتعذر الكاتب في الحضر ؛ كأوقات الاشتغال والليل وقد صح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رهن درعه في الحضر ، فدل ذلك على أن الشرط لا يراد مفهومه . وقرأ الجمهور : كاتبا ، على الإفراد . وقرأ أبي ، ومجاهد ، وأبو العالية : كتابا على أنه مصدر ، أو جمع كاتب . كصاحب وصحاب . ونفي الكاتب يقتضي نفي الكتابة ، ونفي الكتابة يقتضي أيضا نفي الكتب . وقرأ ابن عباس والضحاك : كتابا ، على الجمع اعتبارا بأن كل نازلة لها كاتب ، وروي عن أبي العالية : كتبا جمع كتاب ، وجمع اعتبارا بالنوازل أيضا . وقرأ الجمهور : فرهان ، جمع رهن نحو : كعب وكعاب . وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو : فرهن ، بضم الراء والهاء . وروي عنهما تسكين الهاء . وقرأ بكل واحدة منهما جماعة غيرهما ، فقيل : هو جمع رهان ، ورهان جمع رهن ، قاله الكسائي ، والفراء . وجمع الجمع لا يطرد عند سيبويه ، وقيل : هو جمع رهن ، كسقف ، ومن قرأ بسكون الهاء فهو تخفيف من رهن ، وهي لغة في هذا الباب ، نحو : كتب في كتب ، واختاره أبو عمرو بن العلاء وغيره ، وقال أبو عمرو بن العلاء : لا أعرف الرهان إلّا في الخيل لا غير ، وقال يونس : الرهن والرهان عربيان ، والرهن في الرهن أكثر ، والرهان في الخيل أكثر . انتهى . وجمع فعل على فعل قليل ، ومما جاء فيه : رهن ، قول الأعشى : آليت لا يعطيه من أبنائنا * رهنا فيفسدهم كرهن أفسدا وقال بكسر : رهن ، على أقل العدد لم أعلمه جاء ، وقياسه : أفعل ، فكأنهم استغنوا بالكثير عن القليل . انتهى . والظاهر من قوله : مقبوضة ، اشتراط القبض . وأجمع الناس على صحة قبض المرتهن ، وقبض وكيله ، وأما قبض عدل يوضع الرهن على يديه ، فقال الجمهور به . وقال عطاء ، وقتادة ، والحكم ، وابن أبي ليلى : ليس بقبض ، فإن وقع الرهن بالإيجاب والقبول ، ولم يقع القبض ، فالظاهر من الآية أنه لا يصح إلّا بالقبض ، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ، وقالت المالكية : يلزم الرهن بالعقد ، ويجبر الراهن على دفع الرهن ليحوزه المرتهن ، فالقبض عند مالك شرط في كمال فائدته ، وعند أبي حنيفة والشافعي شرط في صحته ، وأجمعوا على أنه لا يتم إلّا بالقبض .