أبي حيان الأندلسي
704
البحر المحيط في التفسير
يكون ذلك من طيب ما كسب ، ولا يكون من الخبيث . فذكر نوع غالب عليهم في الجاهلية ، وهو : خبيث ، وهو : الربا ، حتى يمتنع من الصدقة بما كان من ربا ، وأيضا فتظهر مناسبة أخرى ، وذلك أن الصدقات فيها نقصان مال ، والربا فيه زيادة مال ، فاستطرد من المأمور به إلى ذكر المنهي عنه لما بينهما من مناسبة ذكر التضاد ، وأبدى لأكل الربا صورة تستبشعها العرب على عادتها في ذكر ما استغربته واستوحشت منه ، كقوله : طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ « 1 » وقول الشاعر : ومسنونة زرق كأنياب أغوال وقول الآخر : خيلا كأمثال السعالي شزّبا وقول الآخر : بخيل عليها جنّة عبقريّة والأكل هنا قيل على ظاهره من خصوص الأكل ، وأن الخبر : عنهم ، مختص بالآكل الربا ، وقيل : عبر عن معاملة الربا وأخذه بالأكل ، لأن الأكل غالب ما ينتفع به فيه ، كما قال تعالى : وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا « 2 » وقيل : الربا هنا كناية عن الحرام ، لا يخص الربا الذي في الجاهلية ، ولا الربا الشرعي . وقرأ العدوي : الربو ، بالواو قيل : وهي لغة الحيرة ، ولذلك كتبها أهل الحجاز بالواو لأنهم تعلموا الخط من أهل الحيرة ، وهذه القراءة على لغة من وقف على أفعى بالواو ، فقال : هذه أفعو ، فأجرى القارئ الوصل إجراء الوقف . وحكى أبو زيد : أن بعضهم قرأ بكسر الراء وضم الباء وواو ساكنة ، وهي قراءة بعيدة ، لأن لا يوجد في لسان العرب اسم آخره واو قبلها ضمة ، بل متى أدى التصريف إلى ذلك قلبت تلك الواو ياء وتلك الضمة كسرة ، وقد أولت هذه القراءة على أنها على لغة من قال : في أفعى : أفعو ، في الوقف . وأن القارئ إما أنه لم يضبط حركة الباء ، أو سمى قربها من الضمة ضما . و : لا يقومون ، خبر عن : الذين ، ووقع في بعض التصانيف أنها جملة حالية ، وهو بعيد جدا ، إذ يتكلف إضمار خبر من غير دليل عليه . وظاهر هذا الإخبار أنه إخبار عن الذين
--> ( 1 ) سورة الصافات : 37 / 65 . ( 2 ) سورة النساء : 4 / 161 .