أبي حيان الأندلسي
696
البحر المحيط في التفسير
العرب ، وتنزه اللّه عن الوجه بمعنى : الجارحة ، وقد تقدم الكلام على نسبة الوجه إلى اللّه في قوله : فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ « 1 » مستوفى ، فأغنى عن إعادته . وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ أي : يوفر عليكم جزاؤه مضاعفا ، وفي هذا ، وفيما قبله ، قطع عذرهم في عدم الإنفاق ، إذ الذي ينفقونه هو لهم حيث يكونون محتاجين إليه ، فيوفونه كاملا موفرا ، فينبغي أن يكون إنفاقهم على أحسن الوجوه وأفضلها ، وقد جاء قوله تعالى : وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ « 2 » وقوله ، صلى اللّه عليه وسلم في حديث أبي هريرة : « إذا تصدق العبد بالصدقة وقعت في يد اللّه قبل أن تقع في يد السائل ، فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه ، أو فصيله ، حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد » . والضمير في : يوفّ ، عائد على : ما ، ومعنى توفيته : إجزال ثوابه . وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ جملة حالية ، العامل فيها يوفّ . والمعنى : أنكم لا تنفقون شيئا من ثواب إنفاقكم . لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ قال ابن عباس ، ومقاتل : هم أهل الصفة حبسوا أنفسهم على طاعة اللّه ، ولم يكن لهم شيء ، وكانوا نحوا من أربعمائة . وقال مجاهد : هم فقراء المهاجرين من قريش ، ثم يتناول من كان بصفة الفقر ، وقال سعيد بن جبير : هم قوم أصابتهم جراحات مع النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فصاروا زمنى ، واختار هذا الكسائي ، وقال : أحصروا من المرض ، ولو أراد الحبس من العدو لقال : حصروا ، وقد تقدّم الكلام على الإحصار والحصر في قوله : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ « 3 » وثبت من اللغة هناك أنه يقال في كل منهما أحصر وحصر ، وحكاه ابن سيده . وقال السدي : أحصروا من خوف الكفار ، إذ أحاطوا بهم ، وقال قتادة : حبسوا أنفسهم للغزو ، ومنعهم الفقر من الغزو ، وقال محمد بن الفضل : منعهم علو همتهم عن رفع حاجتهم إلّا إلى اللّه . وقال الزمخشري : أحصرهم الجهاد ، لا يستطيعون لاشتغالهم به ضربا في الأرض للكسب . انتهى . و : للفقراء ، في موضع الخبر لمبتدأ محذوف ، وكأنه جواب سؤال مقدّر ، كأنه قيل : لمن هذه الصدقات المحثوث على فعلها ؟ فقيل : للفقراء ، أي : هي للفقراء . فبين مصرف
--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 115 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 276 . ( 3 ) سورة البقرة : 2 / 196 .