أبي حيان الأندلسي

672

البحر المحيط في التفسير

وقرأ الحسن : جنات ، بالجمع . مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لما كان النخيل والأعناب أكرم الشجر وأكثرها منافع ، خصا بالذكر ، وجعلت الجنة منهما ، وإن كان في الجنة غيرهما ، وحيث جاء في القرآن ذكر هذا ، نص على النخيل دون الثمرة . وعلى ثمرة الكرم دون الكرم ، وذلك لأن أعظم منافع الكرم هو ثمرته دون أصله ، والنخيل كله منافعه عظيمة ، توازي منفعة ثمرته من خشبه وجريده وليفه وخوصه ، وسائر ما يشتمل عليه ، فلذلك ، واللّه أعلم ، اقتصر على ذكر النخيل وثمرة الكرم . تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ تقدّم شرح هذا في أول هذه السورة . لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ هذا يدل على أنه فيه أشجار غير النخيل والكرم ، كما ذكرنا قبل هذا الظاهر ، وأجاز الزمخشري أن يريد بالثمرات المنافع التي كانت تحصل له فيها . وهذه الجملة مركبة من مبتدأ وخبر ، فعلى مذهب الأخفش : من ، زائدة ، التقدير : له فيها كل الثمرات ، على إرادة التكثير بلفظ العموم ، لا أن العموم مراد ، ولا يجوز أن تكون زائدة على مذهب الكوفيين ، لأنهم شرطوا في زيادتها أن يكون بعدها نكرة ، نحو : قد كان من مطر ، وأما على مذهب جمهور البصريين ، فلا يجوز زيادتها ، لأنهم شرطوا أن يكون قبلها غير موجب ، وبعدها نكرة ، ويحتاج هذا إلى تقييد ، قد ذكرناه في كتاب ( منهج السالك ) من تأليفنا . ويتخرج مذهب جمهور البصريين على حذف المبتدأ المحذوف تقديره ، له فيها رزق ، أو : ثمرات من كل الثمرات . ونظيره في الحذف قول الشاعر : كأنك من جمال بني أقيش * تقعقع خلف رجليه بشن التقدير : كأنك جمل من جمال بني أقيش ، حذف : جمل ، لدلالة : من جمال ، عليه ، كما حذف ثمرات لدلالة : من كل الثمرات ، عليه وكذلك قوله تعالى وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ « 1 » أي : وما أحد منا ، فأحد مبتدأ محذوف ، و : منا ، صفة ، وما بعد إلّا جملة خبر عن المبتدأ . وَأَصابَهُ الْكِبَرُ الظاهر أن الواو للحال ، وقد مقدرة أي وقد أصابه الكبر ، كقوله :

--> ( 1 ) سورة الصافات : 37 / 164 .