أبي حيان الأندلسي
667
البحر المحيط في التفسير
تقول : إن ثبت فعل لازم معناه : تمكن ، ورسخ ، وتحقق . وثبت معدى بالتضعيف ، ومعناه : مكن ، وحقق . قال ابن رواحة يخاطب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : فثبّت اللّه ما آتاك من حسن * تثبيت عيسى ونصرا كالذي نصروا فالمعنى ، واللّه أعلم ، أنهم يثبتون من أنفسهم على الإيمان بهذا العمل الذي هو إخراج المال الذي هو عديل الروح في سبيل اللّه ابتغاء رضا ، لأن مثل هذا العمل شاق على النفس ، فهم يعملون لتثبيت النفس على الإيمان ، وما ترجو من اللّه بهذا العمل الصعب ، لأنها إذا ثبتت على الأمر الصعب انقادت وذلت له . وإذا كان التثبيت مسندا إليهم كانت : من ، في موضع نصب متعلقة بنفس المصدر ، وتكون للتبعيض ، مثلها في : هزّ من عطفه ، و : حرك من نشاطه ، وإن كان التثبيت مسندا في المعنى إلى أنفسهم كانت : من ، في موضع نصب أيضا صفة للمصدر تقديره : كائنا من أنفسهم . قال الزمخشري : فإن قلت : فما معنى التبعيض ؟ قلت : معناه أن من بذل ماله لوجه اللّه فقد ثبت بعض نفسه ، ومن بذل ماله وروحه معا فهو الذي ثبتها كلها وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ « 1 » انتهى . والظاهر أن نفسه هي التي تثبته وتحمله على الإنفاق في سبيل اللّه ، ليس له محرك إلّا هي ، لما اعتقدته من الإيمان وجزيل الثواب ، فهي الباعثة له على ذلك ، والمثبتة له بحسن إيمانها وجليل اعتقادها . وقرأ عاصم الجحدري كَمَثَلِ حَبَّةٍ بالحاء والباء في : بربوة ، ظرفية ، وهي في موضع الصفة فتتعلق بمحذوف . وخص الربوة لحسن شجرها وزكاء ثمرها . كما قال الشاعر ، وهو الخليل بن أحمد ، رحمه اللّه تعالى : ترفعت عن ندى الأعماق وانخفضت * عن المعاطش واستغنت بسقياها فمال بالخوخ والرمان أسفلها * واعتم بالنخل والزيتون أعلاها وتفسير ابن عباس : الربوة ، بالمكان المرتفع الذي لا يجري فيه الأنهار ، إنما يريد المذكورة هنا لقوله : أَصابَها وابِلٌ فدل على أنها ليس فيها ماء جار ، ولم يرد أن جنس الربوة لا يجري
--> ( 1 ) سورة الصف : 61 / 11 .