أبي حيان الأندلسي
634
البحر المحيط في التفسير
هاتف من السماء ، وقيل : جبريل ، وقيل : نبي ، وقيل : رجل مؤمن شاهده حين مات وعمر إلى حين إحيائه . وعلى اختيار الزمخشري لم يكن بعد البعث كافرا ، فلذلك ساغ أن يكلمه اللّه . انتهى . ولا نص في الآية على أن اللّه كلّمه شفاها . و : كم ، ظرف ، أي : كم مدّة لبثت ؟ أي : لبثت ميتا وهو سؤال على سبيل التقرير . قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قال ابن جريج ، وقتادة ، والربيع : أماته اللّه غدوة يوم ثم بعثه قبل الغروب بعد مائة سنة ، فقال : قبل النظر إلى الشمس : يوما ، ثم التفت فرأى بقية من الشمس ، فقال : أو بعض يوم ، فكان قوله : يوما على سبيل الظّن ، ثم لما تحقق أنه لم يكمل اليوم ، قال ؛ أو بعض يوم . والأولى أن لا تكون ، أو ، هنا للترديد ، بل تكون للإضراب ، كأنه قال : بل بعض يوم ، لما لاحت له الشمس أضرب عن الإخبار الأول الذي كان على طريق الظنّ ، ثم أخبر بالثاني على طريق التيقن عنده . وفي قوله : أو بعض يوم ، دليل على أنه يطلق لفظ بعض على أكثر الشيء . قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ بل ، لعطف هذه الجملة على الجملة محذوفة التقدير ، قال : ما لبثت هذه المدة بل : لبثت مائة عام . وقرأ نافع ، وابن كثير ، وعاصم بإظهار التاء في : لبثت وقرأ الباقون بالإدغام ، وذلك في جميع القرآن . وذكر تعيين المدة هنا في قوله : بل لبثت مائة عام ، ولم يذكر تعيينها في قوله : قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا « 1 » وإن اشتركوا في جواب : لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ « 2 » لأن المبعوث في البقرة واحد فانحصرت مدّة إماتة اللّه إياه ، وأولئك متفاوتو اللبث تحت الأرض نحو من مات في أول الدنيا ، ومن مات في آخرها ، فلم ينحصروا تحت عدد مخصوص ، فلذلك أدرجوا تحت قوله : إلّا قليلا ، لأن مدة الحياة الدنيا بالنسبة إلى حياة الآخرة قليلة ، واللّه تعالى محيط علمه بمدة لبث كل واحد واحد ، فلو ذكر مدة كل واحد واحد لاحتيج في عدة ذلك إلى أسفار كثيرة .
--> ( 1 ) سورة المؤمنون : 23 / 114 . ( 2 ) سورة الكهف : 18 / 19 والمؤمنون : 23 / 113 .