أبي حيان الأندلسي

631

البحر المحيط في التفسير

إلى الذي ؟ أرأيت كالذي حاجّ ؟ فعطف قوله : أو كالذي مر ، على هذا المعنى ، والعطف على المعنى موجود في لسان العرب قال الشاعر : تقي نقي لم يكثر غنيمة * بنهكة ذي قربى ولا بحقلّد المعنى في قوله : لم يكثر : ليس بمكثر : ولذلك راعى هذا المعنى فعطف عليه قوله : ولا بحقلد . وقال آخر : أجدّك لن ترى بثعيلبات * أو لا ببيداء ناجية ذمولا ولا متدارك والليل طفل * ببعض نواشغ الوادي حمولا المعنى : أجدّك لست برآء ، ولما راعى هذا المعنى عطف عليه قوله : ولا متدارك ، والعطف على المعنى نصوا على أنه لا ينقاس . وقال الزمخشري ، أو كالذي : معناه أو رأيت مثل الذي ؟ فحذف لدلالة : ألم تر ؟ عليه لأن كلتيهما كلمة تعجيب . انتهى . وهو تخريج حسن ، لأن إضمار الفعل لدلالة المعنى عليه أسهل من العطف على مراعاة المعنى ، وقد جوّز الزمخشري الوجه الأول . وقيل : الكاف زائدة ، فيكون : الذي ، قد عطف على : الذي ، التقدير : ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم ؟ أو الذي مرّ على قرية ؟ قيل : كما زيدت في قوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ « 1 » . وفي قوله الراجز : فصيروا مثل كعصف مأكول ويحتمل أن لا يكون ذلك على حذف فعل ، ولا على العطف على المعنى ، ولا على زيادة الكاف ، بل تكون الكاف اسما على ما يذهب إليه أبو الحسن ، فتكون الكاف في موضع جر ، معطوفة على الذي ، التقدير : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ أو إلى مثل كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ ومجيء الكاف اسما فاعلة ، ومبتدأ ومجرورة بحرف الجر ثابت في لسان العرب ، وتأويلها بعيد ، فالأولى هذا الوجه الأخير ، وإنما عرض لهم الإشكال من حيث اعتقاد حرفية الكاف ، حملا على مشهور مذهب البصريين ، والصحيح ما ذهب إليه أبو الحسن ، ألا ترى في الفاعلية لمثل في قول الشاعر : وإنك لم يفخر عليك كفاخر * ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب ؟

--> ( 1 ) وردت الآية في الأصل : وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * والآية من سورة الشورى 42 / 11 ، وليس فيها : السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * ، علما أن وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * ترد بكثرة في آيات القرآن الكريم ولكن ليس بهذا السياق التام .