أبي حيان الأندلسي

619

البحر المحيط في التفسير

يهديهم ويوفقهم لها من حلها ، حتى يخرجوا منها إلى نور اليقين . انتهى . فيكون على هذا القول : آمنوا على حقيقته . وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ قال مجاهد ، وعبدة بن أبي لبابة ، نزلت في قوم آمنوا بعيسى ، فلما جاء محمد عليه السلام كفروا به ، فذلك إخراجهم من النور إلى الظلمات . وقال الكلبي يخرجونهم من إيمانهم بموسى عليه السلام واستفتاحهم بمحمد صلى اللّه عليه وسلم إلى كفرهم به ، وقيل : من فطرة الإسلام ، وقيل : من نور الإقرار بالميثاق ، وقيل : من الإقرار باللسان إلى النفاق . وقيل : من نور الثواب في الجنة إلى ظلمة العذاب في النار . وقيل : من نور الحق إلى ظلمة الهوى . وقيل : من نور العقل إلى ظلمة الجهل . وقال الزمخشري : من نور البينات التي تظهر لهم إلى ظلمات الشك والشبهة . وقال ابن عطية : لفظ الآية مستغن عن التخصيص ، بل هو مترتب في كل أمة كافرة آمن بعضها كالعرب ، وذلك أن كل من آمن منهم فاللّه وليه ، أخرجه من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان ، ومن كفر بعد وجود الداعي ، النبي المرسل ، فشيطانه ومغويه كأنه أخرجه من الإيمان ، إذ هو معد ، وأهل للدخول فيه ، وهذا كما تقول لمن منعك الدخول في أمر : أخرجتني يا فلان من هذا الأمر ، وإن كنت لم تدخل فيه البتة . انتهى . والمراد بالطاغوت : الصنم ، لقوله : رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ « 1 » وقيل : الشياطين والطاغوت اسم جنس . وقرأ الحسن : الطواغيت بالجمع . وقد تباين الإخبار في هاتين الجملتين ، فاستفتحت آية المؤمنين باسم اللّه تعالى ، وأخبر عنه بأنه ولي المؤمنين تشريفا لهم إذ بدئ في جملتهم باسمه تعالى ، ولقربه من قوله : وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ واستفتحت آية الكافرين بذكرهم نعيا عليهم ، وتسمية لهم بما صدر منهم من القبيح . ثم أخبر عنهم بأن أولياءهم الطاغوت ، ولم يصدّر الطاغوت استهانة به ، وأنه مما ينبغي أن لا يجعل مقابلا للّه تعالى ، ثم عكس الإخبار فيه فابتدأ بقوله : أولياؤهم ، وجعل الطاغوت خبرا . كأن الطاغوت هو مجهول . أعلم المخاطب بأن أولياء

--> ( 1 ) سورة إبراهيم : 14 / 36 .