أبي حيان الأندلسي
613
البحر المحيط في التفسير
أي : ترجع ، وقيل : الكرسي السر قال الشاعر : ما لي بأمرك كرسيّ أكاتمه * ولا بكرسيّ علم اللّه مخلوق وقيل : الكرسي : ملك من الملائكة يملأ السماوات والأرض ، وقيل : قدرة اللّه ، وقيل : تدبير اللّه ، حكاهما الماوردي ، وقال : هو الأصل المعتمد عليه . قال المغربي : من تكرس الشيء تراكب بعضه على بعض ، وأكرسته أنا ، قال العجاج : يا صاح هل تعرف رسما مكرسا * قال : نعم أعرفه وأكرسا وقال آخر : نحن الكراسي لا تعد هوازن * أمثالنا في النائبات ولا الأشد وقال الزمخشري : وفي قوله : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ أربعة أوجه : أحدها : أن كرسيه لم يضق عن السماوات والأرض لبسطته وسعته ، وما هو إلّا تصوير لعظمته وتخييل فقط ، ولا كرسي ثمة ، ولا قعود ، ولا قاعد ، لقوله : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ « 1 » من غير تصوّر قبضه وطيّ ويمين ، وإنما هو تخييل لعظمة شأنه ، وتمثيل حسيّ . ألا ترى إلى قوله : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ * « 2 » ؟ انتهى ما ذكره في هذا الوجه . واختار القفال معناه قال : المقصود من هذا الكلام تصوير عظمة اللّه تعالى وكبريائه وتعزيزه ، خاطب الخلق في تعريف ذاته بما اعتادوه في ملوكهم وعظمائهم . و قيل : كرسي لؤلؤ ، طول القائمة سبعمائة سنة ، وطول الكرسي حيث لا يعلمه العالمون . ذكره ابن عساكر في تاريخه ، عن عليّ بن أبي طالب ، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قاله . قال ابن عطية : والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق عظيم بين يدي العرش ، والعرش أعظم منه ، وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما السماوات السبع في الكرسي إلّا كدراهم سبعة ألقيت في ترس » . و قال أبو ذرّ : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : ما الكرسيّ في العرش إلّا كحلقة من حديد ألقيت في فلاة من الأرض » . وهذه الآية منبئة عن عظم مخلوقات اللّه . انتهى كلامه .
--> ( 1 ) سورة الزمر : 39 / 67 . ( 2 ) سورة الأنعام : 6 / 91 . والحج : 22 / 74 . والزمر : 39 / 67 .