أبي حيان الأندلسي

593

البحر المحيط في التفسير

و قال الزمخشري : كان أبو داود في عسكر طالوت مع ستة من بنيه ، وكان داود سابعهم وهو صغير يرعى الغنم ، فأوحى إلى شمويل أن داود بن إيشا يقتل جالوت ، فطلبه من أبيه ، فجاء وقد مرّ في طريقه بثلاثة أحجار دعاه كل واحد منها أن يحمله ، وقالت له : إنك تقتل بنا جالوت ، فحملها في مخلاته ، ورمى بها جالوت فقتله ، وزوجه طالوت بنته ، وروي أنه حسده وأراد قتله ، ثم تاب . انتهى . وروي : أن داود كان من أرمى الناس بالمقلاع ، وروي : أن الأحجار التأمت في المخلاة فصارت حجرا واحدا . وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ روي أن طالوت تخلى لداود عن الملك ، فصار الملك . وروي : أن بني إسرائيل غلبت طالوت على ذلك بسبب قتل داود جالوت ، و روي أن طالوت أخاف داود فهرب منه ، فكان في جبل إلى أن مات طالوت ، فملكته بنو إسرائيل ، قال الضحاك ، والكلبي : ملك داود بعد قتل جالوت سبع سنين ، فلم يجتمع بنو إسرائيل على ملك واحد إلّا على داود . واختلف أكان داود نبيا عند قتل جالوت أم لا ؟ فقيل : كان نبيا ، لأن خوارق العادات لا تكون إلّا من الأنبياء . وقال الحسن : لم يكن نبيا لأنه لا يجوز أن يتولى من ليس بنبي على نبي ، والحكمة وضع الأمور مواضعها على الصواب ، وكمال ذلك إنما يحصل بالنبوّة ، ولم يكن ذلك لغيره قبله ، كان الملك في سبط والنبوّة في سبط ، فلما مات شمويل وطالوت اجتمع لداود الملك والنبوة . وقال مقاتل : الحكمة الزبور ، وقيل : العدل في السيرة ؟ وقيل : الحكمة العلم والعمل به . وقال الضحاك : هي سلسلة كانت متدلية من السماء لا يمسكها ذو عاهة إلّا برئ ، يتحاكم إليها ، فمن كان محقا تمكن منها حتى إن رجلا كانت عنده درة لرجل ، فجعلها في عكازته ودفعها إليه أن احفظها حتى أمس السلسلة ، فتمكن منها لأنه ردها ، فرفعت لشؤم احتياله . وإذا كانت الحكمة كان ذكر الملك قبلها . والنبوّة بعده من باب الترقي . وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ قيل : صنعة الدروع ، وقيل : منطق الطير وكلامه للنحل والنمل ، وقيل : الزبور ، وقيل : الصوت الطيب والألحان ، قيل : ولم يعط اللّه أحدا من خلقه مثل