أبي حيان الأندلسي

560

البحر المحيط في التفسير

على المعاد ، وأنه كائن لا محالة ، فيليق بكل عاقل أن يعمل لمعاده : بأن يحافظ على عبادة ربه ، وأن يوفي حقوق عباده . وقيل : لما بين تعالى حكم النكاح ، بين حكم القتال ، لأن النكاح تحصين للدّين ، والقتال تحصين للدّين والمال والروح ، وقيل : مناسبة هذه الآية لما قبلها : هو أنه لما ذكر : كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ « 1 » ذكر هذه القصة لأنها من عظيم آياته ، وبدائع قدرته . وهذه همزة الاستفهام دخلت على حرف النفي ، فصار الكلام تقريرا ، فيمكن أن يكون المخاطب علم بهذه الصفة قبل نزول هذه الآية ، ويجوز أن يكون لم يعرفها إلّا من هذه الآية ، ومعناه التنبيه والتعجب من حال هؤلاء ، والرؤية هنا علمية ، وضمنت معنى ما يتعدّى بإلى ، فلذلك لم يتعد إلى مفعولين ، وكأنه قيل : ألم ينته علمك إلى كذا . وقال الراغب : رأيت ، يتعدّى بنفسه دون الجار ، لكن لما استعير قولهم : ألم تر المعنى : ألم تنظر ، عدّي تعديته ، وقلما يستعمل ذلك في غير التقرير ، ما يقال : رأيت إلى كذا . انتهى . و : ألم تر ، جرى مجرى التعجب في لسانهم ، كما جاء في الحديث : « ألم تر إلى مجزز ! » وذلك في رؤيته أرجل زيد وابنه أسامة ، وكان أسود ، فقال هذه الأقدام بعضها من بعض ، فدخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على بعض نسائه ، فقال على سبيل التعجب : « ألم تر إلى مجزز ! » الحديث . وقد جاء هذا اللفظ في القران : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا « 2 » أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ « 3 » أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ « 4 » وقال الشاعر : ألم ترياني كلما جئت طارقا * وجدت بها طيبا وإن لم تطيب ويجوز أن يكون الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، ويجوز أن يكون لكل سامع . وقرأ السلمي : تر ، بسكون الراء ، قالوا : على توهم أن الراء آخر الكلمة ، قال الراجز :

--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 242 . ( 2 ) سورة الحشر : 59 / 11 . ( 3 ) سورة المجادلة : 58 / 14 . ( 4 ) سورة الفرقان : 25 / 45 .