أبي حيان الأندلسي

541

البحر المحيط في التفسير

وانتصاب : بينكم ، بالفعل المنهي عنه و : بين ، مشعر بالتخلل والتعارف ، كقوله : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ « 1 » فهو أبلغ من أن يأتي النهي عن شيء لا يكون بينهم ، لأن الفعل المنهي عنه لو وقع لكان ذلك مشتهرا بينهم ، قد تواطئوا عليه وعلموا به ، لأن ما تخلل أقواما يكون معروفا عندهم . إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ختم هذه الآية بهذه الصفة الدالة على المبصرات ، لأن ما تقدمه من العفو من المطلقات والمطلقين ، وهو أن يدفع شطر ما قبضن أو يكملون لهنّ الصداق ، هو مشاهد مرئي ، فناسب ذلك المجيء بالصفة المتعلقة بالمبصرات . ولما كان آخر قوله : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ الآية قوله : فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مما يدرك بلطف وخفاء ، ختم ذلك بقوله : وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ وفي ختم هذه الآية بقوله : إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وعد جميل للمحسن وحرمان لغير المحسن . وقد تضمنت هذه الآية الكريمة والتي قبلها أنواعا من الفصاحة ، وضروبا من علم البيان والبلاغة . الكناية في : أن تمسوهنّ ، والتجنيس المغاير ، في : فرضتم لهنّ فريضة ، والطباق في : الموسع والمقتر ، والتأكيد بالمصدرين في : متاعا وحقا ، والاختصاص : في : حقا على المحسنين ، ويمكن أن يكون من : التتميم ، لما قال : حقا ، أفهم الإيجاب ، فلما قال : على المحسنين ، تمم المعنى ، وبيّن أنه من باب التفضل والإحسان لا من باب الإيجاب ، فلما قال : على المحسنين تمم التعميم ، وبين أنه من باب التفضل والإحسان ، لا من باب الإيجاب ؛ والالتفات : في : وأن تعفوا ، ولا تنسوا ؛ والعدول عن الحقيقة إلى المجاز في : الذي بيده عقدة النكاح ، عبر عن الإيجاب والقبول بالعقدة التي تعقد حقيقة ، لما في ذلك القول من الارتباط لكل واحد من الزوجين بالآخر . حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ قالوا : هذه الآية معترضة بين آيات المتوفى عنها زوجها ، والمطلقات ، وهي متقدّمة عليهنّ في النزول ، متأخرة في التلاوة ورسم المصحف ، وشبهوها بقوله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً « 2 » وبقوله : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً « 3 » قالوا :

--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 188 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 67 . ( 3 ) سورة البقرة : 2 / 72 .