أبي حيان الأندلسي

538

البحر المحيط في التفسير

وعن الثاني : أنه على سبيل المشاكلة ، أو لكونه قد ساق الصداق إليها ، وقد تقدّم ذكر ذلك . وعن الثالث : أنه لا إلباس فيه ، وهو من باب الالتفات ، إذ فيه خروج من خطاب إلى غيبة ، وإنما قلنا : لا إلباس فيه ، وأنه يتعين أن يكون الزوج ، لإجماع أهل العلم على أنه لا يجوز للأب أن يهب شيئا من مال ابنته لا لزوج ولا لغيره ، فكذلك المهر ، إذ لا فرق . ويحتمل أن يكون قوله : بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ على حذف مضاف أي : بيده حل عقدة النكاح ، كما قالوا في قوله : وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ أي : على عقدة النكاح . ولو فرضنا أن قوله : أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ من المتشابه ، لوجب ردّه إلى المحكم . قال اللّه تعالى : وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً « 1 » وقال تعالى : وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً « 2 » وقال : وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا « 3 » الآية . فهذه الآية محكمة تدل على أن الولي لا دخول له في شيء من أخذ مال الزوجة ، ورجح أيضا أنه الزوج بأن عقدة النكاح كانت بيد الولي فصارت بيد الزوج ، وبأن العفو إنما يطلق على ملك الإنسان ، وعفو الولي عفو عن ما لا يملك ، وبأن قوله : وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ يدل على أن الفضل في هبة الإنسان مال نفسه لا مال غيره . وقرأ الحسن : أو يعفو ، بتسكين الواو ، فتسقط في الوصل لالتقائها ساكنة مع الساكن بعدها ، فإذا وقف أثبتها ، وفعل ذلك استثقالا للفتحة في حرف العلة ، فتقدر الفتحة فيها كما تقدّر في الألف في نحو : لن يخشى ، وأكثر العرب على استخفاف الفتحة في الواو والياء في نحو : لن يرمي ولن يغزو ، وحتى أن أصحابنا نصوا على أن إسكان ذلك ضرورة ، وقال : فما سودتني عامر عن وراثة * أبى اللّه أن أسمو بأمّ ولا أب قال ابن عطية : والذي عندي أنه استثقل الفتحة على واو متطرفة قبلها متحرك لقلة مجيئها في كلام العرب ، وقد قال الخليل ، رحمه اللّه : لم يجئ في الكلام واو مفتوحة متطرفة قبلها فتحة إلّا في قولهم : عفوة ، وهو جمع : عفو ، وهو ولد الحمار ، وكذلك الحركة ما كانت قبل الواو مفتوحة ، فإنها ثقيلة . انتهى كلامه .

--> ( 1 ) سورة النساء : 4 / 4 . ( 2 ) سورة النساء : 4 / 20 . ( 3 ) سورة البقرة : 2 / 229 .