أبي حيان الأندلسي

525

البحر المحيط في التفسير

وهو ما لا يمكن أن يتوجه عليه العامل ، والتقدير : لكنّ التعريض سائغ لكم ، وكأن الزمخشري ما علم أن الاستثناء المنقطع يأتي على هذا النوع من عدم توجيه العامل على ما بعد إلّا ، فلذلك منعه ، واللّه أعلم . وظاهر النهي في قوله لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا التحريم حتى قال مالك في رواية ابن وهب عنه ، فيمن واعد في العدّة ثم تزوّجها بعد العدّة ، قال : فراقها أحب إليّ دخل بها أو لم يدخل ، وتكون تطليقة واحدة ، فإذا حلت خطبها مع الخطاب . وروى أشهب عن مالك وجوب التفرقة بينهما . وقال ابن القاسم : وحكى مثل هذا ابن حارث عن ابن الماجشون ، وزاد ما تقتضي تأبيد التحريم . وقال الشافعي : لو صرح بالخطبة وصرحت بالإجابة ولم يعقد عليها إلّا بعد انقضاء العدّة صح النكاح ، والتصريح بهما مكروه . وقال ابن عطية : أجمعت الأمّة على كراهة المواعدة في العدة للمرأة . وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ نهوا عن العزم على عقدة النكاح ، وإذا كان العزم منهيا عنه فأحرى أن ينهى عن العقدة . وانتصاب : عقدة ، على المفعول به لتضمين : تعزموا ، معنى ما يتعدّى بنفسه ، فضمن معنى : تنووا ، أو معنى : تصححوا ، أو معنى : توجبوا ، أو معنى : تباشروا ، أو معنى : تقطعوا ، أي : تبتوا . وقيل : انتصب عقدة على المصدر ، ومعنى تعزموا تعقدوا . وقيل : انتصب على إسقاط حرف الجر ، وهو على هذا التقدير : ولا تعزموا على عقدة النكاح . وحكى سيبويه أن العرب تقول : ضرب زيد الظهر والبطن ، أي على الظهر والبطن وقال الشاعر : ولقد أبيت على الطوى وأظله * حتى أنال به كريم المأكل الأصل وأظل عليه ، فحذف : على ، ووصل الفعل إلى الضمير فنصبه ، إذ أصل هذا الفعل أن يتعدّى بعلى ، قال الشاعر : عزمت على إقامة ذي صباح * لأمر ما يسوّد من يسود وقد تقدّم الكلام على نظير هذا في قوله : وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ « 1 » وعقدة النكاح ما تتوقف عليه صحة النكاح على اختلاف العلماء في ذلك ، ولذلك قال ابن عطية : عزم العقدة

--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 227 .