أبي حيان الأندلسي

49

البحر المحيط في التفسير

القشيري : فاذكروني أذكركم ، الذكر استغراق الذاكر في شهود المذكور ، ثم استهلاكه في وجود المذكور حتى لا يبقى منه إلا أثر يذكر ، فيقال : قد كان فلان . قال تعالى : إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ « 1 » . وإنما الدنيا حديث حسن فكن حديثا حسنا لمن وعى ، قال الشاعر : إنما الدنيا محاسنها * طيب ما يبقى من الخبر وفي المنتخب ما ملخصه : الذكر يكون باللسان ، وهو : الحمد ، والتسبيح ، والتمجيد ، وقراءة كتب اللّه ؛ وبالقلب ، وهو : الفكر في الدلائل الدالة على التكاليف ، والأحكام ، والأمر ، والنهي ، والوعد ، والوعيد ، والفكر في الصفات الإلهية ، والفكر في أسرار مخلوقات اللّه تعالى حتى تصير كل ذرة كالمرآة المجلوة المحاذية لعالم التقديس ، فإذا نظر العبد إليها ، انعكس شعاع بصره منها إلى عالم الجلال ، وبالجوارح ، بأن تكون مستغرقة في الأعمال المأمور بها ، خالية عن الأعمال المنهي عنها . وعلى هذا الوجه ، سمى اللّه الصلاة ذكرا بقوله : فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ « 2 » . انتهى . وقالوا : الذكر هو تنبيه القلب للمذكور والتيقظ له ، وأطلق على اللسان لدلالته على ذلك . ولما كثر إطلاقه عليه ، صار هو السابق إلى الفهم . فالذكر باللسان سريّ وجهريّ ، والذكر بالقلب دائم ومتحلل ، وبهما أيضا دائم ومتحلل . فباللسان ذكر عامّة المؤمنين ، وهو أدنى مراتب الذكر ، وقد سماه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « ذكرا » . خرج ابن ماجة أن أعرابيا قال : يا رسول اللّه ، إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ ، فأنبئني منها بشيء أتشبث به ، قال : « لا يزال لسانك رطبا من ذكر اللّه » ، وخرج أيضا قال : « يقول اللّه تعالى أنا مع عبدي إذ هو ذكرني وتحركت بي شفتاه » . وسئل أبو عثمان ، فقيل له : نذكر اللّه ولا نجد في قلوبنا حلاوة ، فقال : احمدوا اللّه على أن زين جارحة من جوارحكم بطاعته ، وبالقلب هو ذكر العارفين وخواص المؤمنين ، وقد سماه النبي صلى اللّه عليه وسلم ذكرا ، ومعناه استقرار الذكر فيه حتى لا يخطر فيه غير المذكور : قال الشاعر : سواك ببالي لا يخطر * إذا ما نسيتك من أذكر وبهما : هو ذكر خواص المؤمنين ، وهذه ثلاث المقامات ، أدومها أفضلها . انتهى . وقد طال بنا الكلام في هذه الجملة ، وتركنا أشياء مما ذكره الناس ، وهذه التقييدات والتفسيرات التي فسر بها الذكران ، لا يدل اللفظ على شيء منها ، وينبغي أن يحمل ذلك

--> ( 1 ) سورة الذاريات : 51 / 16 . ( 2 ) سورة الجمعة : 62 / 9 .