أبي حيان الأندلسي

481

البحر المحيط في التفسير

وقالت طائفة : يكون على نكاح جديد بهدم الزوج الثاني الواحدة والثنتين كما يهدم الثلاث ، وبه قال ابن عمر ، وابن عباس ، وعطاء ، والنخعي ، وشريح ، وأصحاب عبد اللّه إلّا عبيدة وهو مذهب أبي حنيفة ، وأبي يوسف . وقيل : قول ثالث إن دخل بها الآخر فطلاق جديد ، ونكاح الأول جديد ، وإن لم يكن يدخل بها فعلى ما بقي . إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ أي إن ظن كل واحد منهما أنه يحسن عشرة صاحبه ، وما يكون له التوافق بينهما من الحدود التي حدها اللّه لكل واحد منهما ، وقد ذكرنا طرقا مما لكل واحد منهما على الآخر في قوله : وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ « 1 » وقال ابن خويز : اختلف أصحابنا ، يعني أصحاب مالك ، هل على الزوجة خدمة أم لا ؟ فقال بعضهم : ليس على الزوجة أن تطالب بغير الوطء . وقال بعضهم : عليها خدمة مثلها ، فإن كانت شريفة المحل ، ليسار أبوة أو ترفه ، فعليها تدبير أمر المنزل وأمر الخادم ، وإن كانت متوسطة الحال فعليها ان تفرش الفراش ونحوه ، وإن كانت من نساء الكرد والديلم في بلدهن كلفت ما تكلفه نساءهم ، وقد جرى أمر المسلمين في بلدانهم ، في قديم الأمر وحديثه ، بما ذكرنا . ألا ترى أن نساء الصحابة كنّ يكلّفنّ الطحن والخبيز والطبيخ وفرش الفراش وتقريب الطعام وأشباه ذلك ، ولا نعلم امرأة امتنعت من ذلك ، بل كانوا يضربون نساءهم إذا قصّرن في ذلك . و : إن ظنا ، شرط جوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه ، فيكون جواز التراجع موقوفا على شرطين : أحدهما : طلاق الزوج الثاني ، والآخر : ظنهما إقامة حدود اللّه ، ومفهوم الشرط الثاني أنه لا يجوز : إن لم يظنا ، ومعنى الظن هنا تغليب أحد الجائزين ، وبهذا يتبين أن معنى الخوف في آية الخلع معنى الظن ، لأن مساق الحدود مساق واحد . وقال أبو عبيدة وغيره المعنى : أيقنا ، جعل الظن هنا بمعنى اليقين ، وضعف قولهم بأن اليقين لا يعلمه إلّا اللّه ، إذ هو مغيب عنهما . قال الزمخشري : ومن فسر العلم هنا بالظن فقد وهم من طريق اللفظ ، والمعنى : لأنك لا تقول : علمت أن يقوم زيد ، ولكن : علمت أنه يقوم زيد ، ولأن الإنسان لا يعلم ما في الغد ، وإنهم يظن ظنا . انتهى كلامه .

--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 228 .