أبي حيان الأندلسي

466

البحر المحيط في التفسير

أحدهما : أنه بيان لعدد الطلاق الذي للزوج أن يرتجع منه دون تجديد مهر وولي ، وإليه ذهب عروة ، وقتادة ، وابن زيد . والثاني : أنه تعريف سنة الطلاق ، أي : من طلق اثنتين فليتق اللّه في الثالثة ، فإما تركها غير مظلومة شيئا من حقها ، وإما إمساكها محسنا عشرتها ، وبه قال ابن مسعود ، وابن عباس وغيرهما . قال ابن عطية : والآية تتضمن هذين المعنيين ، والإمساك بالمعروف هو الارتجاع بعد الثانية إلى حسن العشرة ، والتزام حقوق الزوجية . انتهى كلامه . وحكى الزمخشري القول الأول ، فقال : وقيل معناه : الطلاق الرجعي مرتان ، لأنه لا رجعة بعد الثلاث ، فإمساك بمعروف ، أي برجعة ، أو تسريح بإحسان أي بأن لا يراجعها حتى تبين بالعدة ، أو بأن لا يراجعها مراجعة يريد بها تطويل العدة عليها وضرارها ، وقيل : بأن يطلقها الثالثة . وروي أن سائلا سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أين الثالثة ؟ فقال عليه السلام « أو تسريح بإحسان » . انتهى كلامه . وتفسير : التسريح بإحسان ، أن لا يراجعها حتى تبين بالعدة ، هو قول الضحاك ، والسدي . وقوله : أو بأن لا يراجعها مراجعة يريد بها تطويل العدة عليها وضرارها ، كلام لا يتضح تركيبه على تفسير قوله : أو تسريح بإحسان ، لأنه يقتضي أن يراجعها مراجعة حسنة مقصودا بها الإحسان والتآلف والزوجية ، فيصير هذا قسيم قوله : فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ فيكون المعنى : فإمساك بمعروف أو مراجعة مراجعة حسنة . وهذا كلام لا يلتئم أن يفسر به أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ ولو فسر به فإمساك بمعروف لكان صوابا . وأما قوله : وقيل بأن يطلقها الثالثة ، فهو قول مجاهد وعطاء وجمهور السلف ، وعلماء الأمصار . قال ابن عطية : ويقوى هذا القول عندي من ثلاثة وجوه . أولها : أنه روي أن رجلا قال للنبي صلى اللّه عليه وسلم : يا رسول اللّه هذا ذكر الطلقتين ، فأين الثالثة ؟ فقال عليه السلام : « هي قوله : أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ » . والوجه الثاني : أن التسريح من ألفاظ الطلاق ، ألا ترى أنه قد قرئ : وان عزموا السراح ؟ . والوجه الثالث : أن فعل تفعيلا ، هذا التضعيف يعطي أنه أحدث فعلا مكررا على