أبي حيان الأندلسي
460
البحر المحيط في التفسير
إباحة الرجعة معقودة بشريطة إرادة الإصلاح ، ولا خلاف بين أهل العلم أنه إذا راجعها مضارا في الرجعة ، مريدا لتطويل العدة عليها إن رجعته صحيحة ، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى : وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا « 1 » قالوا : فدل ذلك على صحة الرجعة ، وإن قصد الضرر ، لأن المراجعة لم تكن صحيحة إذا وقعت على وجه الضرار لما كان ظالما بفعلها . قال الماوردي : في الإصلاح المشار إليه وجهان : أحدهما : إصلاح ما بينهما من الفساد بالطلاق ؛ الثاني : القيام لما لكل واحد منهما على صاحبه من الحق . انتهى كلامه . قالوا : ويستغني الزوج في المراجعة عن الولي ، وعن رضاها ، وعن تسمية مهر ، وعن الإشهاد على الرجعة على الصحيح ، ويسقط بالرجعة بقية العدة ، ويحل جماعها في الحال ، ويحتاج في اثبات هذا كله إلى دليل واضح من الشرع ، والذي يظهر لي أن المرأة بالطلاق تنفصل من الرجل ، فلا يجوز له أن تعود إليه . إلّا بنكاح ثان ، ثم إذا طلقها وأراد أن ينكحها ، فإما أن يبقى شيء من عدتها ، أو لا يبقى . إن بقي شيء من عدتها فله أن يتزوجها دون انقضاء عدتها منه إن أراد الإصلاح ، ومفهوم الشرط أنه إذا أراد غير الإصلاح لا يكون له ذلك ، وإن انقضت عدتها استوى هو وغيره في جواز تزويجها ، وإما أن تكون قد طلقت وهي باقية في العدة فيردها من غير اعتبار شروط النكاح ، فيحتاج إثبات هذا الحكم إلى دليل واضح كما قلناه ، فإن كان ثم دليل واضح من نص أو إجماع ، قلنا به ، ولا يعترض علينا بأن له الرجعة على ما وصفوا ، وإن ذلك من أوليات الفقه التي لا يسوغ النزاع فيها ، وأن كل حكم يحتاج إلى دليل . وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ هذا من بديع الكلام ، إذ حذف شيئا من الأول أثبت نظيره في الآخر ، وأثبت شيئا في الأول حذف نظيره في الآخر ، وأصل التركيب ولهنّ على أزواجهنّ مثل الذي لأزواجهنّ عليهنّ ، فحذفت على أزواجهنّ لإثبات : عليهنّ ، وحذف لأزواجهنّ لإثبات لهنّ . واختلف في هذه المثلية ، فقيل : المماثلة في الموافقة والطواعية ، وقال معناه الضحاك ؛ وقيل : المماثلة في التزين والتصنع ، وقاله ابن عباس ، وقال : أحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي لهذه الآية ؛ وقيل : المماثلة في تقوى اللّه فيهنّ ، كما عليهنّ
--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 231 .