أبي حيان الأندلسي

44

البحر المحيط في التفسير

أردّكم في دينكم واخشوني ، وهذا الذي قاله لا يساعده قوله : فلا تخشوهم . قال بعضهم : ذكر الخشية هنا ولم يذكر الخوف ، لأن الخشية حذر من أمر قد وقع ، والخوف حذر من أمر لم يقع . والذي تدل عليه اللغة والاستعمال أن الخشية والخوف مترادفان ، وقال تعالى : فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ « 1 » ، كما قال هنا : فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي . وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ : الظاهر أنه معطوف على قوله : لِئَلَّا يَكُونَ ، وكان المعنى : عرفناكم وجه الصواب في قبلتكم ، والحجة لكم لانتفاء حجج الناس عليكم ، ولإتمام النعمة ، فيكون التعريف معللا بهاتين العلتين ، والفصل بالاستثناء وما بعده كلا فصل ، إذ هو من متعلق العلة الأولى . وقيل : هو معطوف على علة محذوفة ، وكلاهما معلولهما الخشية السابقة ، كأنه قيل : واخشوني لأوفقكم ولأتمّ نعمتي عليكم . وقيل : تتعلق اللام بفعل مؤخر ، التقدير : ولأتمّ نعمتي عليكم عرفتكم قبلتي ، ومن زعم أن الواو زائدة ، فقوله ضعيف . وإتمام النعمة بما هداهم إليه من القبلة ، أو بما أعدّه لهم من ثواب الطاعة ، أو بما حصل للعرب من الشرف بتحويل القبلة إلى الكعبة ، أو بإبطال حجج المحتجين عليهم ، أو بإدخالهم الجنة ، أو بالموت على الإسلام ، أو النعمة سنة الإسلام ، والقرآن ، ومحمد صلى اللّه عليه وسلم ، والستر ، والعافية ، والغنى عن الناس ؛ أو بشرائع الملة الحنيفية ، أقوال ثمانية صدرت مصدر المثال ، لا مصدر التعيين ، وكل فيها نعمة . وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ : تقدم القول في لعل بالنسبة إلى مجيئها من اللّه تعالى في قوله : وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ « 2 » ، في أول البقرة ، وهو أول مواقعها فيه . والمعنى : لتكونوا على رجاء إدامة هدايتي إياكم على استقبال الكعبة ، أو لكي تهتدوا إلى قبلة أبيكم إبراهيم ، والظاهر رجاء الهداية مطلقا . كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ : الكاف هنا للتشبيه ، وهي في موضع نصب على أنها نعت لمصدر محذوف . واختلف في تقديره ، فقيل التقدير : ولأتم نعمتي عليكم إتماما مثل إتمام إرسال الرسول فيكم . ومتعلق الإتمامين مختلف ، فالإتمام الأول بالثواب في الآخرة ، والإتمام الثاني بإرسال الرسول إلينا في الدنيا . أو الإتمام الأول بإجابة الدعوة الأولى لإبراهيم في قوله : وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ « 3 » ، والإتمام الثاني بإجابة الدعوة الثانية في قوله : رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ « 4 » ، وقيل : التقدير : ولعلكم تهتدون اهتداء مثل إرسالنا

--> ( 1 ) سورة آل عمران : 3 / 175 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 21 . ( 3 ) سورة البقرة : 2 / 128 . ( 4 ) سورة البقرة : 2 / 129 .