أبي حيان الأندلسي
431
البحر المحيط في التفسير
بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ « 1 » فلا يجوز أن تكون هنا استفهاما ، وإنما لحظ فيها معنى بالشرط وارتباط الجملة بالأخرى وجواب الجملة محذوف ، ويدل عليه ما قبله ، تقديره : أنى شئتم فأتوه ، وكيف يشاء ينفق ، كما حذف جواب الشرط في قولك : أضرب زيدا أنى لقيته ، التقدير أنى لقيته فاضربه . فان قلت : قد أخرجت : أنّى ، عن الظرفية الحقيقية وأبقيتها لتعميم الأحوال مثل : كيف ، وجعلتها مقتضية لجملة أخرى كجملة الشرط ، فهل الفعل الماضي الذي هو : شئتم ، في موضع جزم كحالها إذا كانت ظرفا ؟ أم هو في موضع رفع كهو بعد : كيف ، في قولهم : كيف تصنع أصنع ؟ . فالجواب أنه يحتمل الأمرين ، لكن يرجح أن تكون في موضع جزم لأنه قد استقر الجزم بها إذا كانت ظرفا صريحا ، غاية ما في ذلك تشبيه الأحوال بالظروف ، وبينهما علاقة واضحة ، إذ كل منهما على معنى : في ، بخلاف : كيف ، فإنه لم يستقر فيها الجزم ومن أجاز الجزم بها ، فإنما قاله بالقياس ، والمحفوظ عن العرب الرفع في الفعل بعدها ، حيث يقتضي جملة أخرى . وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مفعول قدّموا محذوف ، فقيل : التقدير ذكر اللّه عند القربان ، أو : طلب الولد والإفراط شفعاء ، قاله ابن عباس ، أو : الخير ، قاله السدي ، أو : قدم صدق ، قاله ابن كيسان ، أو : الأجر في تجنب ما نهيتم وامتثال ما أمرتم به ، قاله ابن عطية ، أو : ذكر اللّه على الجماع ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لو أن أحدكم إذا أتى امرأته قال : اللهم جنبنا الشيطان ، وجنب الشيطان ما رزقتنا ، فقضى بينهما ولد لم يضره » . أو التسمية على الوطء ، حكاه الزمخشري . أو : ما يجب تقديمه من الأعمال الصالحة ، وهو خلاف ما نهيتكم عنه ، قاله الزمخشري ، وهو قول مركب من قول : من قبله . والذي يظهر أن المعنى : وقدّموا لأنفسكم طاعة اللّه ، وامتثاله ما أمر ، واجتناب ما نهى عنه لأنه تقدّم أمر ونهي ، وهو الخير الذي ذكره في قوله : وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ « 2 » ولذلك جاء بعده وَاتَّقُوا اللَّهَ أي : اتقوا اللّه فيما أمركم به ونهاكم عنه ، وهو تحذير لهم من المخالفة ، ولأن العظيم الذي تقدّم يحتاج إلى أن يقدّم معك ما تقدّم به عليه مما لا تفتضح به عنده ، وهو العمل الصالح .
--> ( 1 ) سورة المائدة : 5 / 64 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 110 .