أبي حيان الأندلسي

415

البحر المحيط في التفسير

وفي هذه الجملة الشرطية إعلام وتذكير بإحسان اللّه وإنعامه على أوصياء اليتامى ، إذ أزال إعناتهم ومشقتهم في مخالطتهم ، والنظر في أحوالهم وأموالهم . إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ قال الزمخشري : عزيز غالب يقدر على أن يعنت عباده ويحرجهم ، لكنه حكيم لا يكلف إلّا ما تتسع فيه طاقتهم . وقال ابن عطية : عزيز لا يرد أمره ، وحكيم أي محكم ما ينفذه . انتهى . في وصفه تعالى بالعزة ، وهو الغلبة والاستيلاء ، إشارة إلى أنه مختص بذلك لا يشارك فيه ، فكأنه لما جعل لهم ولاية على اليتامى نبههم على أنهم لا يقهرونهم ، ولا يغالبونهم ، ولا يستولون عليهم استيلاء القاهر ، فإن هذا الوصف لا يكون إلّا اللّه . وفي وصفه تعالى بالحكمة إشارة إلى أنه لا يتعدّى ما أذن هو تعالى فيهم وفي أموالهم ، فليس لكم نظر إلّا بما أذنت فيه لكم الشريعة ، واقتضته الحكمة الإلهية . إذ هو الحكيم المتقن لما صنع وشرع ، فالإصلاح لهم ليس راجعا إلى نظركم ، إنما هو راجع لاتباع ما شرع في حقهم . وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ قال ابن عباس : نزلت في عبد اللّه بن رواحة ، أعتق أمة وتزوّجها ، وكانت مسلمة ، فطعن عليه ناس من المسلمين ، فقالوا : نكح أمة ، وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين رغبة في أحسابهم ، فنزلت . وقال مقاتل : نزلت في أبي مرثد الغنوي ، واسمه كناز بن الحصين ، وفي قول : إنه مرثد بن أبي مرثد ، وهو حليف لبني هاشم استأذن أن يتزوّج عناق ، وهي امرأة من قريش ذات حظ من جمال ، مشركة ، وقال : يا رسول اللّه إنها تعجبني ، وروي هذا السبب أيضا عن ابن عباس بأطول من هذا . وقيل : نزلت في حسناء وليدة سوداء لحذيفة بن اليمان ، أعتقها وتزوّجها ، ويحتمل أن يكون السبب جميع هذه الحكايات . ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما ذكر تعالى حكم اليتامى في المخالطة ، وكانت تقتضي المناكحة وغيرها مما يسمى مخالطة ، حتى إن بعضهم فسرها بالمصاهرة فقط ، ورجح ذلك كما تقدم ذكره ، وكان من اليتامى من يكون من أولاد الكفار ، نهى اللّه تعالى عن مناكحة المشركات والمشركين ، وأشار إلى العلة المسوّغة للنكاح ، وهي : الأخوة