أبي حيان الأندلسي
390
البحر المحيط في التفسير
هو كبير ، وهو صد عن سبيل اللّه . وهذا معنى سائغ حسن ، ولا شك أن الكفر باللّه وما عطف عليه أكبر من القتال المذكور . وقوله : ويجيء من ذلك أن إخراج أهل المسجد منه أكبر من الكفر عند اللّه ، وهذا بين فساده ، ليس بكلام مخلص ، لأنه لا يجيء منه ما ذكر إلّا بتكلف بعيد ، بل يجيء منه أن إخراج أهل المسجد منه أكبر عند اللّه من القتال المخبر عنه بأنه كبير ، وبأنه صد عن سبيل اللّه ، فالمحكوم عليه بالأكبرية هو الإخراج ، والمفضول فيها هو القتال لا الكفر والفتنة ، أي : الكفر والشرك ، قاله ابن عمر ، وابن عباس ، ومجاهد ، وابن جبير ، وقتادة وغيرهم . أو التعذيب الحاصل للمؤمنين ليرجعوا عن الإسلام ، فهي أكبر حرما من القتل ، والمعنى عند جمهور المفسرين أن الفتنة التي كانت تفتن المسلمين عن دينهم حتى يهلكوا ، أشد اجتراما من قتلهم إياكم في المسجد الحرام ، وقيل : المعنى : والفتنة أشد من أن لو قتلوا ذلك المفتون ، أي فعلكم بكل إنسان ، أشد من فعلنا ، لأن الفتنة ألم متجدد ، والقتل ألم منقض . ومن فسر الفتنة بالكفر كان المعنى عنده : وكفركم أشد من قتلنا أولئك ، وصرح هنا بالمفضول ، وهو قوله : من القتل ، ولم يحذف . لأنه لا دليل على حذفه ، بخلاف قوله : أكبر عند اللّه ، فإنه تقدم ذكر المفضول عليه ، وهو : القتال ، وقال عبد اللّه بن جحش في هذه القصة شعرا : تعدون قتلا في الحرام عظيمة * وأعظم منها لو يرى الرشد راشد صدودكم عما يقول محمد * وكفر به واللّه راء وشاهد وإخراجكم من مسجد اللّه رحله * لئلا يرى للّه في البيت ساجد فإنا ، وإن عيرتمونا بقتلة * وأرجف بالإسلام باغ وحاسد سقينا من ابن الحضرمي رماحنا * بنخلة لما أوقد الحرب واقد دما ، وابن عبد اللّه عثمان بيننا * ينازعه غل من القد عاند وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا الضمير في : يزالون ، للكفار ، وهذا يدل على أن الضمير المرفوع في قوله : يسألونك ، هو الكفار ، والضمير المنصوب في : يقاتلونكم ، خوطب به المؤمنون ، وانتقل عن خطاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى