أبي حيان الأندلسي
385
البحر المحيط في التفسير
وقال عطاء لم تنسخ ، وحلف باللّه ما يحل للناس أن يغزو في الحرم ، ولا في الشهر الحرام إلّا أن يقاتلوا فيه ، وروي هذا القول عن مجاهد أيضا ؟ وروى جابر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يكن يغزو في الأشهر الحرم إلّا أن يغزى ، وذلك قوله : قل قتال فيه كبير . ورجح كونها محكمة بهذا الحديث ، وبما رواه ابن وهب ، أن النبي صلى اللّه عليه وسلم ودى ابن الحضرمي ، ورد الغنيمة والأسيرين ، وبأن الآيات التي وردت بعدها عامة في الأزمنة وهذا خاص ، والعام لا ينسخ الخاص باتفاق . وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ هذه جملة من مبتدأ وخبر معطوفة على قوله تعالى : فيه كبير ، وكلا الجملتين مقولة ، أي : قل لهم قتال في الشهر الحرام إثم كبير ، وقل لهم : صدّ عن كذا إلى آخره ، أكبر من القتال ، ويحتمل أن يكون مقطوعا من القول ، بل إخبار مجرد عن أن الصدّ عن سبيل اللّه ، وكذا وكذا ، أكبر ، والمعنى : أنكم يا كفار قريش تستعظمون منا القتال في الشهر الحرام ، وما تفعلون أنتم : من الصدّ عن سبيل اللّه لمن أراد الإسلام ، ومن كفركم باللّه ، وإخراجكم أهل المسجد منه كما فعلوا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، أكبر جرما عند اللّه مما فعلته السرية من القتال في الشهر الحرام ، على سبيل البناء على الظن . وتقدّم لنا أن هذه الجملة من مبتدأ وخبر ، فالمبتدأ : صدّ ، وهو نكرة مقيدة بالجار والمجرور ، فساغ الابتداء ، وهو مصدر محذوف فاعله ومفعوله للعلم بهما ، أي : وصدّكم المسلمين عن سبيل اللّه . وسبيل اللّه : الإسلام . قاله مقاتل ، أو : الحج ، لأنهم صدّوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن مكة قاله ابن عباس ، والسدّي عن أشياخه ، أو : الهجرة ، صدّوا المسلمين عنها . و : كفر به ، معطوف على : وصدّ ، وهو أيضا مصدر لازم حذف فاعله ، تقديره : وكفركم به ، والضمير في : به ، يعود على السبيل لأنه هو المحدّث عنه بأنه صدّ عنه ، والمعنى : وكفر بسبيل اللّه ، وهو دين اللّه وشريعته ، وقيل : يعود الضمير في : به ، على اللّه تعالى ، قاله الحوفي . والمسجد الحرام : هو الكعبة ، وقرئ شاذا والمسجد الحرام بالرفع ، ووجهه أنه عطفه على قوله : وكفر به ، ويكون على حذف مضاف ، أي : وكفر بالمسجد الحرام ، ثم حذف الباء وأضاف الكفر إلى المسجد ، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ،