أبي حيان الأندلسي

38

البحر المحيط في التفسير

فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ : هذا أمر بالبدار إلى فعل الخير والعمل الصالح . وناسب هذا أن من جعل اللّه له شريعة ، أو قبلة ، أو صلاة ، فينبغي الاهتمام بالمسارعة إليها . قال قتادة : الاستباق في أمر الكعبة رغما لليهود بالمخالفة . وقال ابن زيد : معناه : سارعوا إلى الأعمال الصالحة من التوجه إلى القبلة وغيره . وقال الزمخشري : ويجوز أن يكون المعنى : فاستبقوا الفاضلات من الجهات ، وهي الجهات المسامتة للكعبة ، وإن اختلفت . وذكرنا أن استبق بمعنى : تسابق ، فهو يدل على الاشتراك . إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ « 1 » ، أي نتسابق ، كما تقول . تضاربوا . واستبق لا يتعدى ، لأن تسابق لا يتعدى ، وذلك أن الفعل المتعدي ، إذا بنيت من لفظ ، معناه : تفاعل للاشتراك ، صار لازما ، تقول : ضربت زيدا ، ثم تقول : تضاربنا ، فلذلك قيل : إن إلى هنا محذوفة ، التقدير : فاستبقوا إلى الخيرات . قال الراعي : ثنائي عليكم آل حرب ومن يمل * سواكم فإني مهتد غير مائل يريد ومن يمل إلى سواكم أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً : هذه جملة تتضمن وعظا وتحذيرا وإظهارا لقدرته ، ومعنى : يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً : أي يبعثكم ويحشركم للثواب والعقاب ، فأنتم لا تعجزونه ، وافقتم أم خالفتم ، ولذلك قال ابن عباس : يعني يوم القيامة . وقيل : المعنى : أينما تكونوا من الجهات المختلفة يأت بكم اللّه جميعا ، أي يجمعكم ويجعل صلاتكم كلها إلى جهة واحدة ، وكأنكم تصلون حاضري المسجد الحرام ، قاله الزمخشري . إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تقدم شرح هذه الجملة ، وسيقت بعد الجملة الشرطية المتضمنة للبعث والجزاء ، أي لا يستبعد إتيان اللّه تعالى بالأشلاء المتمزقة في الجهات المتعددة المتفرقة ، فإن قدرة اللّه تتعلق بالممكنات ، وهذا منها . وقد تقدم لنا أن مثل هذه الجملة المصدرة بأن تجيء كالعلة لما قبلها ، فكان المعنى : إتيان اللّه بكم جميعا لقدرته على ذلك . وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ : لما ذكر تعالى أن لكل وجهة يتولاها ، أمر نبيه أن يولي وجهه شطر المسجد الحرام من أي مكان خرج ، لأن قوله : فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ ظاهره أنه أمر له باستقبال الكعبة وهو مقيم بالمدينة . فبين بهذا الأمر الثاني تساوي الحالين إقامة وسفرا في أنه مأمور باستقبال البيت الحرام ، ثم عطف عليه : وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ، ليبين مساواتهم له في ذلك ، أي في

--> ( 1 ) سورة يوسف : 12 / 17 .