أبي حيان الأندلسي

376

البحر المحيط في التفسير

يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ نزلت في عمرو بن الجموح ، كان شيخا كبيرا ذا مال كثير ، سأل بما ذا أتصدق ؟ وعلى من أنفق ؟ قاله أبو صالح عن ابن عباس . وفي رواية عطاء نزلت في رجل قال : إن لي دينارا . قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أنفقه على نفسك » فقال إن لي دينارين : فقال : « أنفقهما على أهلك » فقال : إن لي ثلاثة . فقال : « أنفقها على خادمك » فقال : إن لي أربعة . فقال : « أنفقها على والديك » . فقال إن لي خمسة . فقال : « أنفقها على قرابتك » . فقال : إن لي ستة . فقال : « أنفقها في سبيل اللّه ، وهو أحسنها » . وينبغي أن يفهم من هذا الترقي على معنى أن ما أخبر به فاضل عما قبله ، وقال الحسن : هي في التطوع ، وقال السدي : هي منسوخة بفرض الزكاة . قال ابن عطية : وهم المهدوي على السدي في هذا ، فنسب إليه أنه قال : إن الآية في الزكاة المفروضة . ثم نسخ منها الوالدان انتهى ؛ وقد قال : قدم بهذا القول ، وهي أنها في الزكاة المفروضة ، وعلى هذا نسخ منها الوالدان ومن جرى مجراهما من الأقربين ، وقال ابن جريج : هي ندب ، والزكاة غير هذا الإنفاق ، فعلى هذا لا نسخ فيها . ومناسبة هذه الآية لما قبلها أن الصبر على النفقة وبذل المال هو من أعظم ما تحلى به المؤمن ، وهو من أقوى الأسباب الموصلة إلى الجنة ، حتى لقد ورد : الصدقة تطفئ غضب الرب . والضمير المرفوع في : يسألونك ، للمؤمنين ، والكاف لخطاب النبي صلى اللّه عليه وسلم ، و : ما ذا ، يحتمل هنا النصب والرفع ، فالنصب على أن : ما ذا ، كلها استفهام ، كأنه قال : أي شيء ينفقون ؟ فما ذا منصوب بينفقون ، والرفع على أن : ما . وحدها هي الاستفهام ، وذا موصولة بمعنى الذي ، وينفقون صلة لذا ، والعائد محذوف ، التقدير : ما الذي ينفقون به ؟ فتكون : ما ، مرفوعة بالابتداء ، وذا بمعنى الذي خبره ، وعلى كلا الإعرابين فيسألونك معلق ، فهو عامل في المعنى دون اللفظ ، وهو في موضع المفعول الثاني ليسألونك ، ونظيره ما تقدم من قوله : سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ « 1 » على ما شرحناه هناك . و : ما ذا ، سؤال عن المنفق ، لا عن المصرف وكأن في الكلام حذفا تقديره : ولمن يعطونه ؟ ونظير الآية في السؤال والتعليق . قول الشاعر :

--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 211 .