أبي حيان الأندلسي
353
البحر المحيط في التفسير
المهاجرين ، فوعدهم اللّه أن يعطيهم أموال بني قريظة والنضير بغير قتال ، أسهل شيء وأيسره . ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما ذكر أن بني إسرائيل أتتهم آيات واضحة من اللّه تعالى ، وأنهم بدلوا ، أخبر أن سبب ذلك التبديل هو الركون إلى الدنيا ، والاستبشار بها ، وتزيينها لهم ، واستقامتهم للمؤمنين ، فلبني إسرائيل من هذه الآية أكبر حظ لأنهم كانوا يشترون بآيات اللّه ثمنا قليلا ، ويكذبون على كتاب اللّه ، فيكتبون ما شاءوا لينالوا حظا خسيسا من حظوظ الدنيا ، ويقولون : هذا من عند اللّه . وقراءة الجمهور : زين ، على بناء الفعل للمفعول ، ولا يحتاج إلى إثبات علامة تأنيث للفصل ، ولكون المؤنث غير حقيقي التأنيث ، وقرأ ابن أبي عبلة : زينت ، بالتاء وتوجيهها ظاهر ، لأن المسند إليه الفعل مؤنث ، وحذف الفاعل لفهم المعنى ، وهو : اللّه تعالى ، يؤيد ذلك قراءة مجاهد ، وحميد بن قيس ، وأبي حيوة : زين ، على البناء للفاعل ، وفاعله ضمير يعود على اللّه تعالى ، إذ قبله : فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ . وتزيينه تعالى إياها لهم بما وضع في طباعهم من المحبة لها ، فيصير في نفوسهم ميل ورغبة فيها ، أو بالشهوات التي خلقها فيهم ، وإليه أشار بقوله : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ « 1 » الآية ، وإنما أحكمه من مصنوعاته وأتقنه وحسنه ، فأعجبهم بهجتها ، واستمالت قلوبهم فمالوا إليها كلية ، وأعطوها من الرغبة فوق ما تستحقه . وقال أبو بكر الصدّيق ، رضي اللّه عنه ، حين قدم عليه بالمال ، قال : اللهم إنا لا نستطيع إلى أن نفرح بما زينت لنا . قال الزمخشري : ويحتمل أن يكون اللّه قد زينها لهم بأن خذلهم حتى استحسنوها وأحبوها ، أو جعل إمهال المزين تزيينا ، ويدل عليه قراءة من قرأ : زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا على البناء للفاعل . انتهى كلامه . وهو جار على مذهب المعتزلة بأن اللّه تعالى لا يخلق الشر ، وإنما ذلك من خلق العبد ، فلذلك تأول التزيين على الخذلان ، أو على الإمهال ، وقيل : الزين الشيطان ، وتزيينه بتحسين ما قبح شرعا ، وتقبيح ما حسن شرعا . والفرق بين التزيينين : أن تزيين اللّه بما ركبه ووضعه في الجبلة ، وتزيين الشيطان
--> ( 1 ) سورة آل عمران : 3 / 14 .