أبي حيان الأندلسي

351

البحر المحيط في التفسير

ضلالتهم ، كقوله : فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ « 1 » قاله الزمخشري : سبعة أقوال . ولفظ : من يبدل ، عام وهو شرط ، فيندرج فيه مع بني إسرائيل كل مبدل نعمه : ككفار قريش وغيرهم ، فإن بعثة محمد صلى اللّه عليه وسلم نعمة عليهم ، وقد بدلوا بالشكر عليها وقبولها الكفر . مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ أي : من بعد ما أسديت إليه ، وتمكن من قبولها ، ومن بعد ما عرفها كقوله : ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ « 2 » وأتى بلفظ : من ، أشعارا بابتداء الغاية ، وإنه يعقب : ما جاءته ، يبدله . وفي قوله : مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ تأكيد ، لأن إمكانية التبديل منه متوقفة على الوصول إليه . وقرئ : ومن يبدل بالتخفيف ، ويبدل ، يحتاج لمفعولين : مبدل ومبدل له ، فالمبدل هو الذي يتعدى إليه الفعل بحرف جر ، والبدل هو الذي يتعدى إليه الفعل بنفسه ، ويجوز حذف حرف الجر لفهم المعنى ، وتقدم الكلام على هذا في قوله : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا « 3 » وإذا تقرر هذا ، فالمفعول الواحد هنا محذوف ، وهو البدل ، والأجود أن يقدر مثل ما لفظ به في قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً « 4 » : فكفرا هو البدل ، ونعمة اللّه ، هو المبدل ، وهو الذي أصله : أن يتعدى إليه الفعل بحرف الجر ، فالتقدير إذن : ومن يبدل نعمة اللّه كفرا ، وجاز حذف المفعول الواحد وحرف الجر لفهم المعنى ، ولترتيب جواب الشرط على ما قبله فإنه يدل على ذلك ، لأنه لا يترتب على تقدير : أن يكون النعمة هي البدل ، والكفر هو المبدل أن يجاب بقوله : فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ خبر يتضمن الوعيد ، ومن حذف حرف الجر لدلالة المعنى قوله : فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ « 5 » أي : بسيئاتهم ، ولا يصح أن يكون التقدير : سيئاتهم بحسنات ، فتكون السيئات هي البدل ، والحسنات هي المبدل ، لأن ذلك لا يترتب على قوله : إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً « 6 » فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ خبر يتضمن الوعيد بالعقاب على من بدل نعمة اللّه ، فإن كان جواب الشرط فلا بد من تقدير عائد في الجملة على اسم الشرط ، تقديره : فان اللّه شديد العقاب له ، أو تكون الألف واللام معاقبة للضمير على مذهب

--> ( 1 ) سورة التوبة : 9 / 125 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 75 . ( 3 ) سورة البقرة : 2 / 59 ، والأعراف : 7 / 162 . ( 4 ) سورة إبراهيم : 14 / 28 . ( 5 - 6 ) سورة الفرقان : 25 / 70 .