أبي حيان الأندلسي

35

البحر المحيط في التفسير

يكون معمولا ليعلمون ، قاله ابن عطية ، ويكون مما وقع فبه الظاهر موقع المضمر ، أي وهم يعلمونه كائنا من ربك ، وذلك سائغ حسن في أماكن التفخيم والتهويل ، كقوله : لا أرى الموت يسبق الموت شيء أي يسبقه شيء . وجوّز ابن عطية أن يكون منصوبا بفعل محذوف تقديره : الزم الحق من ربك ، ويدل عليه الخطاب بعده : فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ . والمراد بهذا الخطاب في المعنى هو الأمّة . ودل الممترين على وجودهم ، ونهى أن يكون منهم ، والنهي عن كونه منهم أبلغ من النهي عن نفس الفعل . فقولك : لا تكن ظالما ، أبلغ من قولك : لا تظلم ، لأن لا تظلم نهي عن الالتباس بالظلم . وقولك : لا تكن ظالما نهي عن الكون بهذه الصفة . والنهي عن الكون على صفة ، أبلغ من النهي عن تلك الصفة ، إذ النهي عن الكون على صفة يدل بالوضع على عموم الأكوان المستقبلة على تلك الصفة ، ويلزم من ذلك عموم تلك الصفة . والنهي عن الصفة يدل بالوضع على عموم تلك الصفة . وفرق بين ما يدل على عموم ، ويستلزم عموما ، وبين ما يدل على عموم فقط ، فلذلك كان أبلغ ، ولذلك كثر النهي عن الكون . قال تعالى : فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ ، وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ « 1 » ، فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ « 2 » . والكينونة في الحقيقة ليست متعلق النهي . والمعنى : لا تظلم في كل أكوانك ، أي في كل فرد فرد من أكوانك ، فلا يمر بك وقت يوجد فيه منك ظلم ، فتصير كأن فيه نصا على سائر الأكوان ، بخلاف لا تظلم ، فإنه يستلزم الأكوان . وأكد النهي بنون التوكيد مبالغة في النهي ، وكانت المشدّدة لأنها أبلغ في التأكيد من المخففة . والمعنى : فلا تكونن من الذين يشكون في الحق ، لأن ما جاء من اللّه تعالى لا يمكن أن يقع فيه شك ولا جدال ، إذ هو الحق المحض الذي لا يمكن أن يلحق فيه ريب ولا شك . وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها ، لما ذكر القبلة التي أمر المسلمون بالتوجه إليها ، وهي الكعبة ، وذكر من تصميم أهل الكتاب على عدم اتباعها ، وأن كلا من طائفتي اليهود والنصارى مصممة على عدم اتباع صاحبها ، أعلم أن ذلك هو بفعله ، وأنه هو المقدر ذلك ، وأنه هو موجه كل منهم إلى قبلته . ففي ذلك تنبيه على شكر اللّه ، إذ وفق المسلمين إلى اتباع ما أمر به من التوجه واختارهم لذلك . وقرأ الجمهور : ولكل : منونا ، وجهة : مرفوعا ،

--> ( 1 ) سورة يونس : 10 / 95 . ( 2 ) سورة هود : 11 / 17 .