أبي حيان الأندلسي

348

البحر المحيط في التفسير

أمّته ، أو إعلام أهل الكتاب أن هذا القول من عند اللّه لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم وقومه لم يكونوا يعرفون شيئا من قصص بني إسرائيل ، ولا ما كان فيهم من الآيات قبل أن أنزل اللّه ذلك في كتابه . بَنِي إِسْرائِيلَ من كان بحضرته منهم ، صلى اللّه عليه وسلم ، أو من آمن من به منهم ، أو علماؤهم ، أو أنبياؤهم ، أقوال أربعة . و كَمْ في موضع نصب على أنها مفعول ثان ل آتَيْناهُمْ على مذهب الجمهور ، أو على أنها مفعول أول على مذهب السهيلي على ما مر ذكره ، وأجاز ابن عطية أن يكون في موضع نصب على إضمار فعل يفسره ما بعده ، وجعل ذلك من باب الاشتغال ، قال : وكم ، في موضع نصب إمّا بفعل مضمر بعدها ، لأن لها صدر الكلام تقديره : كم آتيناهم ، أو بإتيانهم . انتهى . وهذا غير جائز إن كان قوله : من آية تمييزا لكم ، لأن الفعل المفسر لهذا الفعل المحذوف لم يعمل في ضمير الاسم الأول المنتصب بالفعل المحذوف ولا في سببيته ، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون من باب الاشتغال . ونظير ما أجاز أن يقول : زيدا ضربت ، فتعرب زيدا مفعولا بفعل محذوف يفسره ما بعده ، التقدير : زيدا ضربت ضربت ، وكذلك : الدرهم أعطيت زيدا ، ولا نعلم أحدا ذهب إلى ما ذهب إليه ، بل نصوص النحويين ، سيبويه فمن دونه ، على أن مثل هذا هو مفعول مقدم منصوب بالفعل بعده ، وإن كان تمييز : كم ، محذوفا . وأطلقت : كم ، على القوم أو الجماعة ، فكان التقدير : كم من جماعة آتيناهم ، فيجوز ذلك ، إذ في الجملة المفسرة لذلك الفعل المحذوف ضمير عائد على : كم ، وأجاز ابن عطية وغيره أن تكون : كم ، في موضع رفع بالابتداء ، والجملة من قوله : آتيناهم ، في موضع الخبر ، والعائد محذوف ، التقدير : آتيناهموه ، أو آتيناهموها ، وهذا لا يجوز عند البصريين إلّا في الشعر ، أو في شاذ من القرآن ، كقراءة من قرأ أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ « 1 » برفع الحكم ، وقال ابن مالك : لو كان المبتدأ غير : كل ، والضمير مفعول به ، لم يجز عند الكوفيين حذفه مع بقاء الرفع إلّا في الاضطرار ، والبصريون يجيزون ذلك في الاختيار ، ويرونه ضعيفا ، انتهى . فإذا كان لا يجوز إلّا في الاضطرار ، أو ضعيفا ، فأي داعية إلى جواز ذلك في القرآن مع إمكان حمله على غير ذلك ؟ ورجحانه وهو أن تكون في موضع نصب على ما قررناه . وكم ، هنا استفهامية ومعناها التقرير لا حقيقة الاستفهام ، وقد

--> ( 1 ) سورة المائدة : 5 / 50 .