أبي حيان الأندلسي

346

البحر المحيط في التفسير

وقرأ يحيى بن معمر : وقضي الأمور ، بالجمع ، وبني الفعل للمفعول وحذف الفاعل للعلم به ، ولأنه لو أبرز وبنى الفعل للفاعل لتكرر الاسم ثلاث مرات . وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ قرأ ابن عامر ، وحمزة ، والكسائي : ترجع ، بفتح التاء وكسر الجيم في جميع القرآن ، ويعقوب : بالتاء مفتوحة وكسر الجيم في جميع القرآن ، على أن : رجع ، لازم وباقي السبعة : بالياء وفتح الجيم مبنيا للمفعول ، وخارجة عن نافع : يرجع بالياء . وفتح الجيم على أن رجع متعد . وكلا الاستعمالين له في لسان العرب ، ولغة قليلة في المتعدي أرجع رباعيا ، فمن قرأ بالتاء فلتأنيث الجمع ، ومن قرأ بالياء فلكون التأنيث غير حقيقي . وصرح باسم اللّه لأنه أفخم وأعظم وأوضح ، وإن كان قد جرى ذكره في قوله : إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ ولأنه في جملة مستأنفة ليست داخلة في المنتظر ، وإنما هي إعلام بأن اللّه إليه تصير الأمور كلها . لا إلى غيره ، إذ هو المنفرد بالمجازاة ، ولرفع إبهام ما كان عليه ملوك الدنيا من دفع أمور الناس إليهم ، فأعلم أن هذا لا يكون لهم في الآخرة منها شيء ، بل ذلك إلى اللّه وحده ، أو لإعلام انها رجعت إليه في الآخرة بعد أن كان ملكهم بعضها في الدنيا ، فصارت إليه كلها في الآخرة . وإذا كان الفعل مبنيا للمفعول فالفاعل المحذوف ، إما اللّه تعالى ، يرجعها إلى نفسه بإفناء الدنيا وإقامة القيامة ، أو ذوو الأمور ، لما كانت ذواتهم وصفاتهم شاهدة عليهم بأنهم مخلوقون محاسبون مجزيون ، كانوا رادّين أمورهم إلى خالقها ، قيل : أو يكون ذلك على مذهب العرب في قولهم : فلان معجب بنفسه ، ويقول الرجل لغيره : إلى أين يذهب بك ؟ وإن لم يكن أحد يذهب به . انتهى . وملخصه : انه يبنى الفعل للمفعول ولا يكون ثم فاعل ، وهذا خطأ ، إذ لا بد للفعل من تصوّر فاعل ، ولا يلزم أن يكون الفاعل للذهاب أحدا ، ولا الفاعل للإعجاب ، بل الفاعل غيره ، فالذي أعجبه بنفسه هو رأيه ، واعتقاده بجمال نفسه ، فالمعنى أنه أعجبه رأيه ، وذهب به رأيه ، فكأنه قيل : أعجبه رأيه بنفسه ، وإلى أين يذهب بك رأيك أو عقلك ؟ ثم حذف الفاعل ، وبني الفعل للمفعول . قيل : وفي قوله : وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ قسمان من أقسام علم البيان : أحدهما : الإيجاز في قوله : وَقُضِيَ الْأَمْرُ فإن في هاتين الكلمتين يندرج في