أبي حيان الأندلسي

332

البحر المحيط في التفسير

وجاء في كتاب اللّه تعالى نفي محبة اللّه تعالى أشياء ، إذ لا واسطة بين الحب وعدمه بالنسبة إليه تعالى ، بخلاف غيره ، فإنه قد يعرف عنهما فالمحبة ومقابلها بالنسبة إلى اللّه تعالى نقيضان ، وبالنسبة إلى غيره ضدّان ، وظاهر الفساد يعم كل فساد في أرض أو مال أو دين ، وقد استدل عطاء بقوله : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ على منع شق الإنسان ثوبه . وقال ابن عباس : الفساد هنا الخراب . وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ تحتمل أيضا هذه الجملة أن تكون مستأنفة ، وتحتمل أن تكون داخلة في الصلة ، تقدم الكلام في نحو هذا في قوله : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ « 1 » و : ما ، الذي أقيم مقام الفاعل ، فأغنى عن ذكره هنا ، و : أخذته العزة ، احتوت عليه وأحاطت به ، وصار كالمأخوذ لها كما يأخذ الشيء باليد . قال الزمخشري : من قولك أخذته بكذا إذا حملته عليه ، وألزمته إياه ، أي : حملته العزة التي فيه ، وحمية الجاهلية ، على الإثم الذي ينهى عنه ، وألزمته ارتكابه ، وأن لا يخلى عنه ضررا ولجاجا ، أو على رد قول الواعظ . انتهى كلامه . فالباء ، على كلامه للتعدية ، كأن المعنى ألزمته العزة الإثم ، والتعدية بالباء بابها الفعل اللازم ، نحو : لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ « 2 » أي : لأذهب سمعهم ، وندرت التعدية بالباء في المتعدي ، نحو : صككت الحجر بالحجر ، أي أصككت الحجر الحجر ، بمعنى جعلت أحدهما يصك الآخر ، ويحتمل الباء أن تكون للمصاحبة ، أي : أخذته مصحوبا بالإثم ، أو مصحوبة بالإثم ، فيكون للحال من المفعول أو الفاعل ، ويحتمل أن تكون سببية ، والمعنى : أن إثمه السابق كان سببا لأخذ العزة له ، حتى لا يقبل ممن يأمره بتقوى اللّه تعالى ، فتكون الباء هنا : كمن ، في قول الشاعر : أخذته عزة من جهله * فتولى مغضبا فعل الضّجر وعلى أن تكون : الباء ، سببية فسره الحسن ، قال . أي من أجل الإثم الذي في قلبه ، يعني الكفر . وقد فسرت العزة بالقوة وبالحمية والمنعة ، وكلها متقاربة . وفي قوله : أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ نوع من البديع يسمى التتميم ، وهو إرداف الكلام

--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 11 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 20 .