أبي حيان الأندلسي

319

البحر المحيط في التفسير

وتكلم المفسرون هنا على قوله : فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ ، عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ « 1 » ونحن نؤخر الكلام على ذلك إلى مكانه إن شاء اللّه . واستدل ابن عطية للقول الأول وهو : ان الأيام المعدودات : أيام التشريق وهي الثلاثة بعد يوم النحر ، وليس يوم النحر منها . بأن قال : ودل على ذلك إجماع الناس على أنه لا ينفر أحد يوم القر . وهو ثاني يوم النحر ، ولو كان يوم النحر في المعدودات لساغ أن ينفر من شاء متعجلا يوم القر ، لأنه قد أخذ يومين من المعدودات انتهى كلامه . ولا يلزم ما قاله ، لأن قوله : فمن تعجل في يومين ، لا يمكن حمله على ظاهره ، لأن الظرف المبني إذا عمل فيه الفعل فلا بد من وقوعه في كل واحد من اليومين ، لو قلت : ضربت زيدا يومين ، فلا بد من وقوع الضرب به في كل واحد من اليومين ، وهنا لا يمكن ذلك ، لأن التعجيل بالنفر لم يقع في كل واحد من اليومين ، فلا بد من ارتكاب مجاز ، إما بأن يجعل وقوعه في أحدهما كأنه وقوع فيهما ، ويصير نظير : نَسِيا حُوتَهُما « 2 » و يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ « 3 » وإنما الناسي أحدهما ، وكذلك ، إنما يخرجان من أحدهما . أو بأن يجعل ذلك على حذف مضاف ، التقدير : فمن تعجل في ثاني يومين بعد يوم النحر ، فيكون اليوم الذي بعد يوم القر المتعجل فيه ، ويحتمل أن يكون المحذوف في : تمام يومين أو إكمال يومين ، فلا يلزم أن يقع التعجل في شيء من اليومين ، بل بعدهما . وعلى هذا يصح أن يعد يوم النحر من الأيام المعدودات ، ولا يلزم أن يكون النفر يوم القر ، كما ذكره ابن عطية . وظاهر قوله وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ الأمر بمطلق ذكر اللّه في أيام معدودات ، ولم يبين ما هذه الأيام ، لكن قوله : فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ يشعر أن تلك الأيام هي التي ينفر فيها ، وهي أيام التشريق ، وقد قال في ( ريّ الظمآن ) : أجمع المفسرون على أن الأيام المعدودات أيام التشريق . انتهى . وجعل الأيام ظرفا للذكر يدل على أنه متى ذكر اللّه في تلك الأيام فهو المطلوب ، ويشعر أنه عند رمي الجمار كون الرمي غير محصور بوقت ، فناسب وقوعه في أي وقت من الأيام ذكر اللّه فيه ، ويؤيده قوله : فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ وان الخطاب بقوله : واذكروا ،

--> ( 1 ) سورة الحج : 22 / 28 . ( 2 ) سورة الكهف : 18 / 61 . ( 3 ) سورة الرحمن : 55 / 22 .