أبي حيان الأندلسي
305
البحر المحيط في التفسير
تقديره : من ذنب ، وذهب أبو الحسن بن الطراوة إلى أن : استغفر ، يتعدى بنفسها إلى مفعولين صريحين ، وأن قولهم : استغفر اللّه من الذنب ، إنما جاء على سبيل التضمين ، كأنه قال : تبت إلى اللّه من الذنب ، وهو محجوج بقول سيبويه ، ونقله عن العرب وذلك مذكور في علم النحو ، وحذف هنا المفعول الثاني للعلم به ، ولم يجئ في القرآن مثبتا ، لا مجرورا بمن ، ولا منصوبا ، بخلاف : غفر ، فإنه تارة جاء في القرآن مذكورا مفعوله ، كقوله : وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ « 1 » وتارة محذوفا . كقوله تعالى : يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ * وجاء : استغفر ، أيضا معدّى باللام ، كما قال تعالى : فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ « 2 » وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ * « 3 » وكأن هذه اللام ، واللّه أعلم ، لام العلة ، وأن ما دخلت عليه مفعول من أجله ، واستفعل هنا للطلب ، كاستوهب واستطعم واستعان ، وهو أحد المعاني التي جاء لها استفعل ، وقد ذكرنا ذلك في قوله : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ « 4 » . إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ هذا كالسبب في الأمر بالاستغفار ، وهو أنه تعالى كثير الغفران ، كثير الرحمة ، وهاتان الصفتان للمبالغة ، وأكثر بناء : فعول ، من : فعل ، نحو : غفور ، وصفوح ، وصبور ، وشكور ، وضروب ، وقتول ، وتروك ، وهجوم ، وعلوك ، وأكثر بناء : فعيل ، من فعل بكسر العين نحو : رحيم ، وعليم ، وحفيظ ، وسميع ، وقد يتعارضان . قالوا : رقب فهو رقيب ، وقدر فهو قدير ، وجهل فهو جهول ؛ وقد تقدم الكلام على نحو هذه الجمل ، أعني : أن يكون آخر الكلام ذكر اسم اللّه ، ثم يعاد بلفظه بعد : إن ، والأولى أن يطلق الغفران والرحمة ، وإن ذلك من شأنه تعالى . وقيل : إن المغفرة الموعودة في الآية هي عند الدفع من عرفات ، وقيل : إنها عند الدفع من جمع إلى منى ، والأولى ما قدمناه . فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً وسبب نزولها أنهم كانوا إذا اجتمعوا في الموسم تفاخروا بآبائهم ، فيقول أحدهم : كان يقري الضيف ، ويضرب بالسيف ، ويطعم الطعام ، وينحر الجزور ، ويفك العاني ، ويجر النواصي ، ويفعل كذا وكذا . فنزلت . وقال الحسن : كانوا إذا حدثوا أقسموا بالآباء ، فيقولون . وأبيك ، فنزلت .
--> ( 1 ) سورة آل عمران : 3 / 135 . ( 2 ) سورة آل عمران : 3 / 135 . ( 3 ) سورة غافر : 40 / 55 ومحمد : 47 / 19 . ( 4 ) سورة الفاتحة : 1 / 5 .