أبي حيان الأندلسي
30
البحر المحيط في التفسير
قال الزمخشري : قوله : وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ ، بعد الإفصاح عن حقيقة حاله المعلومة عنده في قوله : وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ، كلام وارد على سبيل الفرض ، والتقدير بمعنى : ولئن اتبعتهم مثلا بعد وضوح البرهان والإحاطة بحقيقة الأمر ، إنك إذا لمن المرتكبين الظلم الفاحش . وفي ذلك لطف للسامعين ، وزيادة تحذير واستفظاع بحال من يترك الدليل بعد إنارته ويتبع الهوى ، وإلهاب للثبات على الحق . انتهى كلامه . وقال في المنتخب : اختلفوا في هذا الخطاب . قال بعضهم : هو للرسول ، وقال بعضهم : هو للرسول وغيره . وقال بعضهم : هو لغير الرسول ، لأنه علم تعالى أن الرسول لا يفعل ذلك ، فلا يجوز أن يخصه بهذا الخطاب . أهواءهم : تقدّم أنه جمع هوى ، ولا يجمع على أهوية ، وأكثر استعمال الهوى فيما لا خير فيه ، وقد يستعمل في الخير ، وأصله الميل والمحبة ، وجمع ، وإن كان أصله المصدر ، لاختلاف أغراضهم ومتعلقاتها وتباينها . مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ : أي من الدلائل والآيات التي تفيد لك العلم وتحصله ، فأطلق اسم الأثر على المؤثر . سمى تلك الدلائل علما ، مبالغة وتعظيما وتنبيها على أن العلم من أعظم المخلوقات شرفا ومرتبة . ودلت الآية على أن توجه الوعيد على العلماء أشد من توجهه على غيرهم . وقد فسر العلم هنا بالحق ، يعني أن ما جاءه من تحويل القبلة هو الحق . وقال مقاتل : العلم هنا : البيان ، وجاء في هذا المكان : مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ ، وقال قبل هذا : بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ « 1 » ، وجاء في الرعد : بَعْدِ ما جاءَكَ « 2 » ، فاختص موضعا بالذي ، وموضعين بما ، وهذا الموضع بمن . والذي نقوله في هذا : أنه من اتساع العبارة وذكر المترادف ، لأن ما والذي موصولان ، فأيا منهما ذكرت ، كان فصيحا حسنا . وأما المجيء بمن ، فهو دلالة على ابتداء بعدية المجيء ، وأما قوله : بعد ، فهو على معنى من ، والتبعدية مقيدة بها من حيث المعنى ، وإن كان إطلاق بعد لا يقتضيها . وقال بعضهم : في الجواب عن ذلك دخول ما مكان الذي ، لأن الذي أخص ، وما أشد إبهاما ، فحيث خص بالذي أشير به إلى العلم بصحة الدين ، الذي هو الإسلام ، المانع من ملتي اليهود والنصارى ، فكان اللفظ الأخص الأشهر أولى فيه ، لأنه علم بكل أصول الدين ، وخص بلفظ ما ، ما أشير به إلى العلم بركن من أركان الدين ، أحدهما القبلة ، والآخر الكتاب ، لأنه أشار إلى قوله : وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ « 3 » ، قال :
--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 120 . ( 2 ) سورة الرعد : 13 / 37 . ( 3 ) سورة الرعد : 13 / 36 .