أبي حيان الأندلسي

292

البحر المحيط في التفسير

صح : لو توكلتم على اللّه حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير ، تغدوا خماصا ، وتروح بطانا . وقال تعالى : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ « 1 » وقد طوى قوم الأيام بلا غذاء ، وبعضهم اكتفى باليسير من القوت في الأيام ذوات الأعداد ، وبعضهم بالجرع من الماء . وصح من حديث أبي ذر اكتفاؤه بماء زمزم شهرا ، وخرج منها وله عكن ، وأن جماعة من الصحابة اكتفوا أياما كثيرة ، كل واحد منهم بتمرة في اليوم . فأما خرق العادات من دوران الرحى بالطحين ، وامتلاء الفرن بالعجين ، وإن لم يكن هناك طعام ، ونحو ذلك ، فحكوا وقوع ذلك . وقد شرب سفيان بن عيينة فضلة سفيان الثوري من ماء زمزم فوجدها سويقا ، وقد صح وثبت خرق العوائد لغير الأنبياء عليهم السلام ، فلا يتكرر ذلك إلّا من مدّع ذلك ، وليس هو على طريق الاستقامة ككثير ممن شاهدناهم يدعون ، ويدعى ذلك لهم . وَاتَّقُونِ هذا أمر بخوف اللّه تعالى ، ولما تقدم ما يدل على اجتناب أشياء في الحج ، وأمروا بالتزود للمعاد ، وأخبر بالتقوى عن خير الزاد ، ناسب ذلك كله الأمر بالتقوى ، والتحذير من ارتكاب ما تحل به عقوبته ، ثم قال يا أُولِي الْأَلْبابِ تحريكا لامتثال الأمر بالتقوى ، لأنه لا يحذر العواقب ، إلّا من كان ذا لبّ ، فهو الذي تقوم عليه حجة اللّه ، وهو القابل للأمر والنهي ، وإذا كان ذو اللب لا يتقي اللّه ، فكأنه لا لب له ، وقد تقدم الكلام على مثل هذا النداء في قوله : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ « 2 » فأغنى عن إعادته . والظاهر من اللب أنه لب مناط التكليف ، فيكون عاما ، لا اللب الذي هو مكتسب بالتجارب ، فيكون خاصا ، لأن المأمور باتقاء اللّه هم جميع المكلفين . لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ سبب نزولها ان العرب تحرجت لما جاء الإسلام أن يحضروا أسواق الجاهلية . كعكاظ ، وذي المجاز ، ومجنة ، فأباح اللّه لهم ذلك ، قاله ابن عمر ، وابن عباس ، ومجاهد ، وعطاء ؛ وقال مجاهد أيضا : كان بعض العرب لا ينحرون مذ يحرمون ، فنزلت في إباحة ذلك ، وروي عن ابن عمر أنها نزلت فيمن يكري في الحج ، وأن حجه تام .

--> ( 1 ) سورة الطلاق : 65 / 3 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 179 .