أبي حيان الأندلسي
268
البحر المحيط في التفسير
بقي بمكة صامها ، ومن نهض إلى بلده صامها في الطريق ؛ وقال مالك في ( الكتاب ) : إذا رجع من منى فلا بأس أن يصوم . تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ تلك إشارة إلى مجموع الأيام المأمور بصومها قبل ، ومعلوم أن ثلاثة وسبعة عشرة ، فقال الأستاذ أبو الحسن علي بن أحمد الباذش ما معناه : أتى بعشرة توطئة للخبر بعدها ، لا أنها هي الخبر المستقل به فائدة الإسناد ، فجيء بها للتوكيد ، كما تقول : زيد رجل صالح . وقال ابن عرفة : مذهب العرب إذا ذكروا عددين أن يجملوهما . وحسّن هذا القول الزمخشري بأن قال : فائدة الفذلكة في كل حساب أن يعلم العدد جملة ، كما علم تفصيلا ليحاط به من جهتين ، فيتأكد العلم ، وفي أمثال العرب : علمان خير من علم ؛ قال ابن عرفة : وإنما تفعل ذلك العرب لقلة معرفتهم بالحساب ، وقد جاء : لا يحسب ولا يكتب ، وورد ذلك في كثير من أشعارهم ؛ قال النابغة : توهمت آيات لها فعرفتها * لست أعوام وذا العام سابع وقال الأعشى : ثلاث بالغداة فهي حسبي * وست حين يدركني العشاء فذلك تسعة في اليوم ربي * وشرب المرء فوق الري داء وقال الفرزدق : ثلاث واثنتان وهن خمس * وسادسة تميل إلى شمام وقال آخر : فسرت إليهم عشرين شهرا * وأربعة فذلك حجتان وقال المفضل : لما فصل بينهما بإفطار قيدها بالعشرة ليعلم أنها كالمتصلة في الأجر ، وقال الزجاج : جمع العددين لجواز أن يظن أن عليه ثلاثة أو سبعة ، لأن الواو قد تقوم مقام : أو ، ومنه مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ * « 1 » فأزال احتمال التخيير ، وهو الذي لم يذكر ابن عطية إلا إياه ، وهو قول جار على مذهب أهل الكوفة لا على مذهب البصريين ، لأن الواو لا تكون بمعنى : أو .
--> ( 1 ) سورة النساء : 4 / 3 ، وسورة فاطر : 35 / 1 .