أبي حيان الأندلسي
242
البحر المحيط في التفسير
وقيل : من له قدرة على القتال ، وتسمية من له الأهلية والقدرة مقاتلا مجاز ، وأبعد منه مجازا من ذهب إلى أن المعنى : الذين يخالفونكم ، فجعل المخالفة قتالا ، لأنه يؤول إلى القتال ، فيكون أمرا بقتال من خالف ، سواء قاتل أم لم يقاتل ، وقدّم المجرور على المفعول الصريح لأنه الأهم ، وهو أن يكون القتال بسبب إظهار شريعة الإسلام ، ألا ترى الاقتصار عليه في نحو قوله : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ « 1 » وَلا تَعْتَدُوا نهي عام في جميع مجاوزة كل حدّ ، حدّه اللّه تعالى ، فدخل فيه الاعتداء في القتال بما لا يجوز ، وقيل : المعنى : ولا تعتدوا في قتل النساء ، والصبيان ، والرهبان ، والأطفال ، ومن يجري مجراهم . قاله ابن عباس ، وعمر بن عبد العزيز ، ومجاهد . ورجحه جماعة من المفسرين : كالنحاس وغيره ، لأن المفاعلة غالبا لا تكون إلّا من اثنين ، والقتال لا يكون من هؤلاء . ولأن النهي ورد في ذلك نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن قتل النساء ، والصبيان ، وعن المثلة ، وفي وصاية أبي بكر ليزيد بن أبي سفيان النهي عن قتل هؤلاء ، والشيخ الفاني ، وعن تخريب العامر ، وذبح البقرة والشاة لغير مأكل ، وإفساد شجرة مثمرة بحرق أو غيره . وقيل : ولا تعتدوا في قتال من بذل الجزية . قاله ابن بحر ، وقيل : في ترك القتال ، وقيل : بالبداءة والمفاجأة قبل بلوغ الدعوة . وقيل : بالمثلة ، وقيل : بابتدائهم في الحرم في الشهر الحرام ، وقيل : في القتال لغير وجه اللّه ، كالحمية وكسب الذكر . إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ . هذا كالتعليل لما قبله كقوله : أكرم زيدا إن عمرا يكرمه . وحقيقة المحبة : وهي ميل النفس إلى ما تؤثره مستحيلة في حق اللّه تعالى ، ولا واسطة بين المحبة والبغضاء بالنسبة إلى اللّه تعالى ، لأنهما مجازان عن إرادة ثوابه ، وإرادة عقابه ، أو عن متعلق الإرادة من الثواب والعقاب . وذلك بخلاف محبة الإنسان وبغضه ، فإن بينهما واسطة ، وهي عدمهما ، فلذلك لا يرد على نفي محبة اللّه تعالى أن يقال : لا يلزم من نفي المحبة وجود البغض ، بل ذلك لازم لما بيناه من عدم الواسطة بينهما في حقه تعالى . وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ضمير المفعول عائد على : الذين يقاتلونكم ، وهذا أمر بقتلهم ، و : حيث ثقفتموهم ، عام في كل مكان حل أو حرم ، ويلزم منه عموم الأزمان ،
--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 244 .